ذلك النموذج الإنساني الرائع متمثلا في طبيب هو الذي يستطيع حقا أن يأخذ بيد المريض إلى الشفاء ، شفاء الجسد والروح في آن بما يسر له الله من علم ناف للجهالة ومما وفقه إليه من رفعة إنسانية محببة إلى القلوب .. هذا الطبيب هو الذي يستطيع أن يقود مريضه إلى معرفة الله الحق ، ككل صفة من صفاته التي أسلفنا الحديث عنها تقوم بدورها في الأخذ بيد المريض في هذا الطريف ، وسوف نعود إلى ذلك إن شاء الله حين نتحدث عن الهدف المرجو من وراء وجود طب إسلامي وطبيب مسلم .
والآن فما هي المكونات الخاصة التي تكفل نشأة هذا الطب الإسلامي ، هذا الذي يدرك مفهوم"الصحة"على وجهها الواسع الشامل ، ويدرك مفهوم"المرض"كذلك في حقيقته الجذرية لا في مظاهره المحدودة ؟ .
إن نشأته لن تكون إلا بمعرفة حقيقية"بالإنسان"وبالتالي معرفة واعية مما يصلح حياته وما يفسدها ، ومفهوم المرض والصحة في حقيقته عميق الارتباط بصلاح الإنسان وفساده ، وبصلاح أوضاعه الاجتماعية والأخلاقية ، بل أوضاعه الاقتصادية ـ والسياسية كذلك ، بغير هذه الفواصل التي تفرضها تخصصات العلم الحديث .
ولذلك فمع فساد الحياة البشرية في عالم اليوم لا يكون دور الطبيب إلا المحاولة المستميتة لتنظيف المصب الذيب يمتليء كل لحظة بأدران المنبع ! وها هي مجموعة الأمراض المستشرية حديثا شاهد على ما أقول ، فالفساد الخلقي في أبشع صوره يلقي إلى الطب بأدرانه ، فلا يكون دوره فيها إلا المحاولة الدائبة وإيجاد"العلاج"علاج الناتج لا علاج الجذور ، علاج ظاهرة المرض لا علاج مسبباته أي تنظيف المصب إن أمكن ذلك ، لا تطهير المنبع والتغلب على المرض تغلبا حقيقيا !