فهرس الكتاب
يقول - رحمه الله:"إنه مشهد عجيب حافل بالحركة، مشوب بالاضطراب فيه تيه وضلال، وفيه هول ورعب، وفيه فزع وحيرة، وفيه أضواء وأصداء .. صيب من السماء هاطل غزير فيه ظلمات ورعد وبرق، كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، أي وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون، وهم مفزَّعون يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت."
إن الحركة التي تغمر المشهد كله من الصيب الهاطل إلى الظلمات والرعد والبرق إلى الحائرين المفزَّعين فيه إلى الخطوات المروعة الوجلة التي تقف عندما يخيم الظلام، إن هذه الحركة في المشهد لترسم - عن طريق التأثر الإيجابي - حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون، بين لقائهم للمؤمنين، وعودتهم للشياطين، بين ما يقولونه لحظة، ثم ينكثون عنه فجأة، بين ما يطلبونه من هدى ونور، وما يفيئون إليه من ضلال وظلام، فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية، ويجسم صورة شعورية، وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس" [1] ."
ويرى الشهيد أن للتناسق في القرآن صورًا متعددة [2] فيتناسق التعبير مع الحالة التي يراد تصويرها، فيساعد على إكمال الصورة الحسية أو المعنوية، يقول في تفسير قوله - تعالى-:"إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون" [3] :"ومن هنا يجيء ذكر الدواب في موضعه المناسب، ولفظ الدواب يشمل الناس فيما يشمل، فهم يدبون على الأرض، ولكن استعماله يكثر في الدواب من الأنعام، فيُلقى ظله بمجرد إطلاقه، ويخلع على"الصم البكم الذين لا يعقلون"صورة البهيمة في الحس والخيال [4] ."
ويتناسق التعبير ممثَّلًا في جرس الكلمات، ونغم العبارات مع الحالة التي تعبر عنها.
يقول في تفسير قوله: فإذا جاءت الصاخة .. [5] :"والصاخة لفظ ذو جرس عنيف نافذ، يكاد يخرق صماخ الأذن، وهو يشق الهواء شقًّا. حتى يصل إلى الأذن صاخًّا مُلحًّا" [6] .
(1) الظلال: 1/ 46.
(2) التصوير الفني في القرآن: 74، وما بعدها.
(3) الأنفال: 22.
(4) الظلال: 3/ 1493.
(5) عبس: 33.
(6) الظلال: 6/ 3834.