فهرس الكتاب
ويتناسق تنوع نظام الفواصل والقوافي لتأدية الهدف المقصود، يقول في حديثه عن سورة المدثر:"وهذه السورة قصيرة الآيات، سريعة الجريان، منوَّعة الفواصل والقوافي، يتَّئد إيقاعها أحيانًا، ويجرى لاهثًا أحيانًا ... وهذا التنوع في الإيقاع والقافية بتنوع المشاهد والظلال - يجعل للسورة مذاقًا خاصًّا، ولا سيما عند رد بعض القوافي، ورجعها بعد انتهائها كقافية الراء الساكنة: المدثر. أنذر. فكبر ... وعودتها بعد فترة: قدر. بسر. استكبر. سقر. .. وكذلك الانتقال من قافية إلى قافية في الفقرة الواحدة مفاجأة، ولكن لهدف خاص. عند قوله: فما لهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة [1] ... ففي الآية الأولى كان يسأل ويستنكر، وفى الثانية والثالثة كان يصور ويسخر!" [2] .
إلى غير ذلك من أنواع التناسق التي أوردها الشهيد بكثرة في كتابه"التصوير الفني".
ولقد ذهب أحد الباحثين إلى أن سيد قطب لم يُسبق إلى هذه النظرية فيقرر ذلك قائلًا:"ونعتقد أن سيد قطب أول مفسر في المكتبة العربية نجح في الكشف عن الارتباط المعنوي، والتناسق التعبيري بين ألفاظ القرآن وآياته وأجزائه بصورة شاملة ... وأن هذه الخاصية ليست في معاني القرآن فحسب بل هي موجودة في حبكة ألفاظه، وأصواته، وموسيقى عباراته، ورنين لهجته" [3] وهذا حق، فقد أشاد بها كثير من الأدباء والعلماء [4] ، وتلك النظرية هي لب نظرية الشهيد في فهمه للقرآن وتفسيره.
وإن المرء ليعجب كيف لم تُكتشف هذه النظرية القرآنية إلا مؤخرًا في هذا العصر، على الرغم من وضوحها بشدة في كل سورة وآية من سور القرآن وآياته، وفي كل لفظة من ألفاظه، بل في كل حرف من حروفه؟ ، ولكنها حكمة الله التي لا تكشف شيئًا من العلم إلا بمقدار، ولا تقضي شيئًا إلا بأجل مسمى، وتهيئ من تشاء لما تشاء، ثم هي آية أخرى في أن هذا القرآن لا يزال بكرًا، وأنه لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد.
وللشهيد قطب - بعد ذلك - طريقة في عرض السورة تشي بتمكنه المكين من القرآن،
(1) المدثر: 49 - 51.
(2) الظلال: 6/ 3753 - 3754.
(3) سيد كشميري في بحثه: عبقري الإسلام سيد قطب: 356.
(4) منهم د. صبحي الصالح، وصلاح الخالدي، وعلي أحمد باكثير، ونجيب محفوظ.