فهرس الكتاب
وكيف كانوا يجزعون أن يؤاخذوا بأي درجة من درجات التقصير، والتفاوت بين عملهم وبين مستوى التكليف. حتى يأتيهم من الله ورسوله التيسير" [1] ."
هكذا يسوق الشهيد الروايات والآثار هذا السياق، ويوردها هذا الإيراد في حدود الظلال والنفوذ إلى روح القرآن، والحياة معه أيام نزوله.
وعندما تعرض لقوله تعالى:"ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليُضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هُزُوًا " [2] لم يورد أثر ابن عباس المشهور في تفسيره للهو الحديث بالغناء. إنما وضع القاعدة العامة حين قال:"ولهو الحديث كل كلام يُلهي القلب ويأكل الوقت، ولا يثمر خيرًا ولا يؤتي حصيلة تليق بوظيفة الإنسان المستخلف في هذه الأرض لعمارتها بالخير والعدل والصلاح"ثم أورد أن النضر بن الحارث كان يشتري الكتب المحتوية لأساطير الفرس وقصص أبطالهم وحروبهم؛ ليجذب الناس إليها ويصرفهم عن القرآن الكريم.
ثم يقول:"ولكن النص أهم من هذا الحادث الخاص إذا صح أنه وارد فيه، وهو يصور فريقًا من الناس واضح السمات، قائمًا في كل حين. وقد كان قائمًا في عهد الدعوة الأولى في الوسط المكي الذي نزلت فيه هذه الآيات" [3]
بهذه الكيفية ينفذ الشهيد إلى لب ما يريده القرآن، ويضع القواعد والمبادئ والكليات، متجاوزًا الشكلية والحدودية على الرغم من أن الأثر الذي أورده أكثر وجاهة وتناسبًا مع الآية من الأثر الذي يُروى عن ابن عباس رضي الله عنه.
وإذا أردنا بالمأثور هنا معناه الواسع من إيرادٍ لأسباب النزول، وأقوال المفسرين الأوائل، وغير ذلك، فنجد الشهيد في بداية كل سورة وشوط يتعرض للمنقول من أقوال الرواة والمفسرين في أسباب النزول، وتاريخ النزول، ويجمع بين أقوال الرواة من كتب التاريخ والحديث والتفسير لا ليجمع حشودًا منها الغث والسمين، والصواب والخطأ، إنما يجمعها، وينقحها، ويرجح بينها في ضوء ظروف نزول السورة، وتوجهها العام.
(2) لقمان: 6.