فهرس الكتاب
** ضوابط لمعرفة المكي والمدني:
هناك علامات وضوابط يُعرف من خلالها ما إذا كان القرآن مكيًّا أو مدنيًّا، وهذه العلامات منها ما يتعلق بالألفاظ والشكليات، ومنها ما يتعلق بالمعاني الكبيرة والأهداف العامة.
فأما الألفاظ والشكليات: فالمكي ما يَرد فيه لفظ"كلا"، وكل سورة فيها سجدة، وقصص الأنبياء والأمم السابقة سوى البقرة، وقصة آدم وإبليس سوى البقرة، والمدني ما يَرد فيه الحديث عن الحدود والفرائض، والإذن بالجهاد وبيان أحكامه، وذكر المنافقين؛ لأن ظهورهم وحديث القرآن عنهم كان في المدينة؛ إذ لم يكن هناك مبرر لظهورهم في مكة وقد كانت الجماعة المسلمة وليدة ضعيفة لا يستدعي حالها نفاقًا من أحد.
وأما ما يتعلق بالمعاني وموضوعات الحديث والأهداف: فقد كتب فيه الشيخ الزرقاني كلامًا نفيسًا يحسن أن ننقله هنا ببعض التصرف، ذكر [1] أن القرآن المكي"حمل حملة شعواء على الشرك والوثنية، وعلى الشبهات التي تذرع بها أهل مكة للإصرار على الشرك والوثنية، ودخل عليهم من كل باب، وأتاهم بكل دليل، وحاكمهم إلى الحس، وضرب لهم أبلغ الأمثال ..."
وفتح عيونهم على ما في أنفسهم من شواهد الحق، وعلى ما في الكون من أعلام الرشد، ونوَّع لهم في الأدلة، وتفنن في الأساليب، وقاضاهم إلى الأوليات والمشاهدات، ثم قادهم إلى الاعتراف بتوحيد الله في ألوهيته وربوبيته، والإيمان بالبعث ومسئوليته، والجزاء العادل ودقته ...
وتحدث عن عاداتهم القبيحة، وما زال بهم حتى طهرهم منها، وشرح لهم أصول الأخلاق، وحقوق الاجتماع شرحًا عجيبًا كرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وفوضى الجهل وجفاء الطبع، وقذارة القلب وخشونة اللفظ، وحبب إليهم الإيمان والطاعة والعلم والمحبة والرحمة والإخلاص، وقص عليهم من أنباء الرسل وقصص الأمم السابقة ما فيه أنفع المواعظ وأنفع العبر، وسلك مع أهل مكة سبيل الإيجاز في خطابه، حتى جاءت
(1) مناهل العرفان: 1/ 202 ـ 204.