فهرس الكتاب
السور المكية قصيرة الآيات صغيرة السور؛ لأنهم كانوا أهل فصاحة وبيان.
أما المدني فمن خواصه التحدث عن دقائق التشريع وتفاصيل الأحكام، ودعوة أهل الكتاب من يهود ونصارى إلى الإسلام، ومناقشتهم ومحاكمتهم إلى العقل والتاريخ، وسلك معهم سلوك الإطناب والتطويل؛ وذلك لأن أهل المدينة لم يكونوا يُضاهئون أهل مكة في الفصاحة والذكاء والبيان. ا. هـ
والشهيد سيد قطب يقرر هذه العلامات وتلك الضوابط، فعند تناوله لسورة الأنعام يقول:
"هذه السورة مكية، من القرآن المكي، القرآن الذي ظل يتنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عامًا كاملة يحدثه فيها عن قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر. ذلك أن الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى."
لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية، في هذا الدين الجديد،"قضية العقيدة"ممثلة في قاعدتها الرئيسية .. الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة"."
قال الشهيد:"لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجوده ووجود هذا الكون من حوله .. كان يقول له: من هو؟ ومن أين جاء وكيف جاء ولماذا جاء؟ وإلى أين يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ ومن ذا الذي يذهب به وما مصيره هناك؟ .. وكان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس أن وراءه غيبًا يستشرفه ولا يراه؟ من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟ من ذا يدبره ومن ذا يحوره؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟ ... وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون، ومع الكون أيضًا، وكيف يتعامل العباد مع خالق العباد".
ثم يقول:"ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليه من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة، إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من بيان، وأنها استقرت استقرارًا مكينًا ثابتًا في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان، التي قدر الله لها أن يقوم هذا الدين عليها، وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين" [1] .
(1) الظلال: 2/ 1004 ـ 1005.