بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ
أنور الجندي
{من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}
هو وَاحِدٌ من زُمْرَةٍ فَرِيْدَةٍ من القِمم الشَّامخة وُجِدَت وَعَاشَت بيننا في هذا العصر، وما وُجِدَت إلا برحمةِ الله وعلى عَيْنِهِ وما كان لظروف عصره أن يُوجد أبدا، انضوى قلبه على حب عميق لهذا الدين، وتفانٍ غريب في سبيل نصرته، أنكر ذاته - بل تلاشت في فكره وهَمِّه -، .. أُشرب قلبه قوله تعالى {قل إن صلاتي ونُسُكِي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين}
عاش للإسلام وللإسلام وحده حتى كأنه مثال حي لقوله تعالى {ومن الناس من يَشري نفسه ابتغاء رضوان الله والله رؤوف بالعباد} .
حمل القلم مجاهدا بفكره، وكانت عينه دائما معلقة بالسماء، مرتبطا قلبه بحبل الله، ... منا من عرفه ومنا من لم يعرفه، لكن أثره باق إلى يوم القيامة -، ولسان حالهم يقول {وعَجِلْتُ إليك ربِّ لترضى} ، مضى إلى ربه وترك مكانه شاغرا إلى يوم القيامة.
عاش الرجل مجاهدا مقاتلا بفكره وقلمه، وجعل كل لحظة من عمره لنصره الإسلام ... وقف على أخطر الثغور التي ولج منها الأعداء إلى ديار المسلمين وعقولهم فاجتاحوهم شر اجتياح، فسبوا عقولهم ونهبوا كل ما يملكون، واسترقوهم شر استرقاق ... إنه ميدان الثقافة ... !!!
إنه من ذلكم الطراز الفذ من الرجل العظماء الذين ذابوا إخلاصا ووفاء لنصرة الدين، إذا وقفت إلى جواره وجدتَ نفسك قزما بين عمالقة، لا يبلغ بصرك منتهى قمته في السماء، فإذا خاطبته طأطأ الرأس تواضعا وانبثت شفتاه عن مثل اللؤلؤ دررا من ثمرات الفكر والفهم والإخلاص.
إن كاتب هذه الكلمات ينفر بطبعه من المدح والمبالغات التي تعج بها حياتنا الثقافية قديما وحديثا، ويَعُدُّ ذلك أَحَد أَمْرَاض الأمة التي لا قيام لأمتنا إلا بشفائها منها ...
فهو - وإن كان يرى ذلك مرفوضا مذموما فإنه يراه واجبا مطلوبا إن كان يعبر عن الحقيقة والصدق، إن التراجم - تراجم الرجال - شهادة يجب أن يؤديها من يتقدم بها كاملة بأصدق عبارة وأدق لفظ ذما كان أو مدحا، وما يسطره عن الأستاذ أنور الجندي ليس من قبيل المديح المَرَضِيّ وإنما هي الشهادة يتقدم بها للأمة التي صارت لا تعرف رجالها ولا تقدر الرجال حق قدرهم، بل صارت قتالة لرجالها عقوقة لأبنائها.