الصفحة 1 من 15

بسم الله الرحمن الرحيم

جوانب من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية

المحاضرة الأولى

الحمد لله العلى الأعلى الذي خلق فسوي والذي قدر فهدي، أحمده على ما منح محمدا من الهدي وجعل السنة المطهرة قدوة لمن اقتدي، الذي خلق فأحيا وحكم على خلقه بالموت والفنا، والبعث إلي دار الجزاء والفصل والقضا لتجزى كل نفس بما تسعي، كما قال في كتابه جل وعلا: (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِل الصَّالحَاتِ فَأُوْلئِكَ لهُمْ الدَّرَجَاتُ العُلا جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالدِينَ فِيهَا وَذَلكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لم تزل على ألسنة الرسل، شهادة تضيء لنا أقوم السبل، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أظهر الله دينه على سائر الملل، وأصلي وأسلم على سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله، خاتم رسله وأنبيائه ومبلغ رسالاته وأنبائه، صاحب المقام المحمود والحوض المورود واللواء المعقود، فأكرم بمقامه وحوضه ولوائه، والرضا عن آله وصحبه وأوليائه، الذين هم للدين بدور اهتدائه، ونجوم إقتدائه، واعتلائه واحتفائه،(يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلئِكَ هُمْ الفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ الفَائِزُونَ لوْ أَنْزَلنَا هَذَا القُرْآنَ على جَبَلٍ لرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا للنَّاسِ لعَلهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) أما بعد.

فحديثنا بإذن الله، يدور حول عالم جليل، قل أن يوجد له بين أهل العلم نظير، هو العلامة مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم ابن تيمية الحراني الحنبلي، شيخ الإسلام ابن تيمية، ولد في حران في العاشر من ربيع الأول سنة 661 ه إحدي وستين وست مئة، وبقي بها إلي أن بلغ سبع سنين، ثم انتقل به والده رحمه الله إلي دمشق، فنشأ بها أتم إنشاء وأزكاه، وأنبته الله أحسن إنبات وأوفاه، وكانت صفات النجابة عليه لائحةً، ودلائلُ العناية فيه واضحةً، كان شيخ الإسلام في صغره إذا ذهب إلي الكتاب يعترضه يهودي ويوقفه ثم يسأله عن بعض الأمور العلمية، فتظهر في إجابات ابن تيمية، الفطنة والقدرة العقلية، كان يجيبه عنها بسرعة بديهية، حتى تعجب منه اليهودي، حتى صار يوقف ويسأله كلما مر في طريقه إلي الكتاب، وابن تيمية يخبره بما يدل على فساد ما عليه أهل الكتاب، فلم يلبث هذا اليهودي أن اسلم وحسن إسلامه، وكان ذلك ببركة الشيخ على صغر سنه، ولم يزل ابن تيمية منذ صغره مستغرقا في طلب العلم وختم القران صغيرا ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه واللغة، حتى برع في ذلك براعة نادرة، وقد سمع من ذوي الروايات الصحيحة العالية، كتب الحديث البارزة كمسند أحمد وصحيح البخاري ومسلم وجامع الترمذي وسنن أبي داوود وسنن النسائي وابن ماجة والدار قطني، سمع كل واحد من هذه الكتب عدة مرات، وأول كتاب حفظه في الحديث الجمع بين الصحيحين للإمام لحميدي، وقلما وجد كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه وألم بما فيه، وكان الله قد خصه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء غالبا إلا ويبقي على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت