الصفحة 2 من 15

ودمه، فقد جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع أمره وحباه بالزيادة، وجعل مآثره في الإمامة من أكبر شهادة، حتى اتفق كل ذي عقل سليم أنه يدخل تحت ما أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن رَسُول اللهِ صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال: (إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لهَذِهِ الأُمَّةِ على رَأْسِ كُل مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لهَا دِينَهَا) .

قدم بعض العلماء من حلب إلي دمشق، فقال لبعضهم سمعت في هذه البلاد بصبي يقال له: أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ والبديهة، وقد جئت قاصدا لدمشق لعلى أراه، فقال له خياط: إنه يذهب إلي الكتاب من هذا الطريق وسوف يمر بعد ساعة، فاقعد عندنا هذه الساعة وسوف تراه بإذن الله، فجلس الشيخ الحلبي قليلا، فمر الصبيان في طريقهم إلي الكتاب، فقال الخياط للشيخ الحلبي، هو هذا الصبي، الذي معه لوح كبير، فناداه الشيخ الحلبي، فجاء إليه ابن تيمية، فأخذ الشيخ اللوح فالذي كان معه نظر فيه، ثم قال: يا ولدي امسح هذه الكتابة التي على اللوح حتى أملي عليك شيئا تكتبه، ففعل ابن تيمية، فأملي عليه من متون الأحاديث ثلاثة عشر حديثا، وقال له: اقرأ هذا، فنظر نظرة وتأمله مرة، ثم أعطي اللوح للشيخ الحلبي، وأخذ يسمعه كل الأحاديث التي كتبها، كأحسن ما تسمع، فقال له الشيخ الحلبي: يا ولدي امسح هذه الكتابة ففعل، فأملي عليه عدة أسانيد انتخبها وانتقاها من ذاكرته، ثم قال اقرأ هذا أيضا، فنظر نظرة وتأمله مرة كما فعل أول مرة، وأسمعه كل الأسانيد التي كتبها، كأحسن ما تسمع، فقام الشيخ الحلبي وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله في قوة الحفظ واستذكار العلم،

نشأ ابن تيمية رحمه الله في تصون تام وعفاف، وتعبد واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، ويناظر ويفحم الكبار من الأعيان، ويأتي بما تتحير فيه الأذهان، فأفتي وله تسع عشرة سنة بل أقل من ذلك، وشرع في الجمع والتأليف في وقته ذلك، ولما مات والده وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم، قام مقام والده في تدريس العلم، وقام بوظائفه في الفتيا وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره، وذاع صيته في أرجاء المعمورة، وأخذ في تفسير القرآن الكريم، في جمع عظيم من المسلمين، كان يجلس على كرسيه ويتكلم من حفظه، لا يتلعثم طول المجلس، ينطلق في الكلام بصوت جهوري فصيح، مع التنبه في كلامه على الحديث الضعيف والصحيح، ولم يزل على ذلك تقيا سلفيا، عابدا ناسكا، صواما قواما، ذاكرا لله تعالى، مستعينا به في كل أمر وعلى كل حال، رجاعا إلي الله تعالى في سائر الأحوال، وقافا عند حدوده وأوامره، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم، فلا تروي من المطالعة، ولا تمل من المقارنة والمذاكرة، ولا تكل من البحث والمناظرة، وقل أن يدخل في علم من العلوم أو باب من أبوابه، إلا ويفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك عليه في ذلك العلم على حذاق أهله، وكل من برع في فنه، يقول أحدهم لقد سمعته في مبدئ أمره يقول: إنه ليقف خاطري في المسألة التي تشكل على، فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر ويزول الإشكال وينحل، وربما أكون ماشيا في السوق أو جالسا في المسجد، أذكر الله عندما أقوم أو أقعد أو أرقد، أداوم على الذكر والاستغفار، حتى يفتح الله ويزول الإشكال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت