الصفحة 3 من 15

يقول أحد المصاحبين لشيخ الإسلام في نشأته، كنت إذا اجتمعت به في مجلس مع أحد المشايخ المشهورين وتكلم أجد لكلامه صولة على القلوب، وتأثيرا في النفوس، وهيبة مقبولة، ونفعا يظهر أثره، وتنفعل له النفوس التي سمعته أياما كثيرة، حتى كان مقاله بلسان حاله، وحاله ظاهر له في مقاله، شهدت ذلك منه غير مرة.

ولم يبرح ابن تيمية في ازدياد من العلوم، ونشر العلم والاجتهاد في الخير، حتى انتهت إليه الإمامة في العلم، والتواضع في العمل والحلم، والزهد والورع والشجاعة، والكرم والإنابة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد، مع العفة والصبر والصدق، والإخلاص والعمل على نفع الخلق، والابتهال إلي الله بالدعاء، وكثرة الخوف والرجاء، وشدة التمسك بالكتاب والسنة.

وكان رحمه الله سيفا مسلولا على المخالفين، وشوكة في حلق المبتدعين، وإماما قائما ببيان الحق ونصرة الدين، وكان بحرا لا يتكدر ماؤه، وحبرا نحريرا تقدم آراؤه، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار.

ويذكر العلامة كمال الدين بن الزملكاني أنه كان إذا سئل عن فن من العلم، ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدا لا يعرف هذا العلم كابن تيمية، وكان الفقهاء من سائر الطوائف، إذا جلسوا معه استفادوا في منه مذاهبهم، واستفتوه في أدق مسائلهم، ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع، ولا تكلم مع أحد إلا اقتنع، فما من علم من العلوم، إلا فاق أهله في حسن التصنيف وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم وتبيين الأدلة بغزارة.

يقول ابن سيد الناس المصري دلني الحافظ جمال الدين الممثل على رؤية الشيخ تقي الدين ابن تيمية، فألفيته ممن أدرك من العلوم حظا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظا، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتي في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذكر الحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم ير أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه كمثله، ولا رأت عينه كمثل نفسه، كان يتكلم في التفسير، فيحضر مجلسَه الجمُ الغفير، ويردون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، ثم يذكر ابن سيد الناس المصري أن شيخ الإسلام دب إليه من أهل بلده داء الحسد، وألب عليه أهل النظر كل من ينتقد، في حنبليته أو فيما يعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلاما، وسارعوا بسببه عند الحكام ملاما، وأوسعوه تبديعا وسهاما، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازع طائفة أخرى من الطرق الصوفية، يزعمون أنهم على كشوفات ذوقية حقيقية، فكشف زيغهم وبين خدعهم، وأبطل بدعهم، فكفروه وكتبوا فيه عند الأمراء محاضر، وألبوا عليه سفهاء العامة بين الأكابر، حتى سجن بالديار المصرية.

ولو تحدثنا عن غزارة علومه ومؤلفاته ومصنفاته، وسعة نقله في فتاواه ومنصوصاته، فأما غزارة علومه، فمنها معرفته بعلوم القرآن، واستنباطه لدقائقه، ونقله لأقوال العلماء في تفسيره، واستشهاده بدلائله، وما أودعه الله تعالى فيه من عجائبه، وفنون حكمه وغرائب نوادره، وباهر فصاحته وظاهر ملاحته، فإنه فيه من الغاية التي يُنتهي إليها، والنهاية التي يعول عليها، ولقد كان إذا قرئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم، يشرع في تفسيرها، فينقضي المجلس بجملته والدرس برمته، وهو في تفسير بعض آية منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت