ولقد أملي في تفسير: (قل هو الله أحد) مجلدا كبيرا سماه جواب أهل العلم والإيمان في أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وأملي في تفسير قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوي) قرابة خمس وثلاثين كراسة، أما معرفته بسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله وقضاياه، ووقائعه وغزواته وسراياه، وما خصه الله تعالى من كراماته ومعجزاته، ومعرفته بصحيح المنقول وسليمه، ومكذوبه وضعيفه وسقيمه، وبقية المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم في أقوالهم وأفعالهم، وفتاواهم وأحوالهم، وأحوالهم وجهادهم، فإنه كان من أضبط الناس لذلك وأعرفهم فيه، وأسرعهم استحضارا لما يريده منه، فإنه قل أن يذكر حديثا أو يستدل به، إلا وعزاه إلي مصدره في كتب السنة، ونص على حكمه صحيحا كان أو حسنا أو ضعيفا، وذكر اسم روايه من الصحابة، وقل أن يسأل عن أثر إلا وبين في الحال حاله، وحال أمره وذاكره.
ومن أعجب الأشياء في ذلك أنه في محنته بمصر لما أخذ وسجن وحيل بينه وبين كتبه، صنف عدة كتب صغارا وكبارا، وذكر فيها ما احتاج إلي ذكره من الأحاديث والآثار، وأقوال العلماء في الأخبار، وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم، وعزا كل شيء من ذلك، إلي ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذكر فيها، وأي موضع هو منها، كل ذلك بديهة من حفظه، لأنه لم يكن عنده حينئذ كتاب يطالعه، ثم بعد ذلك نقبت واختبرت واعتبرت وروجعت، فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغير، ومن جملة هذه الكتب التي ألفها في السجن من ذاكرته، كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول، وهذا من الفضل الذي خصه الله تعالى به.
ومن غزارة علومه ما منحه الله تعالى من معرفة اختلاف العلماء ونصوصهم، وكثرة أقوالهم واجتهادهم، وما روي عن كل منهم من راجح ومرجوح، ومقبول ومردود، في كل زمان ومكان، وبصره الصحيح الثاقب، ونظره السليم الصائب، الذي يتعرف فيه على الحق فيما قالوه ونقلوه، وعزوه ونسبوه، والأماكن التي بها أودعوه، حتى كان إذا سئل عن شيء من ذلك، كأن جميع المنقول عن الرسول مصور بين يديه ومسطور يستحضر أقوال العلماء، ويذكر منها ما شاء الله، ويذر منها ما يشاء، وهذا قد اتفق عليه كل من رآه أو وقف على شيء من علمه ممن لا يغطي عقله الجهل والهوى.
وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنه يصعب إحصاؤها، أو تجمع أسماؤها، فهي كثيرة جدا، سواء كانت مصنفات كبيرة أو صغيرة، وهي منشورة في البلدان، فقل أن يخلو منها مكان، بعضها مجلدات كثيرة كبيرة، وبعضها كتب صغيرة، يقول ابن قيم الجوزية في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية: مما رأيته في التفسير أوراق على الاستعاذة وقاعدة في الفاتحة وفي الأسماء التي فيها وفي قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين، وقد ذكر ابن القيم ما رآه مما أملاه شيخ الإسلام في تفسير القرآن سورة سورة، وقد جمع الدكتور محمد السيد الجليند ما استطاع من مختارات في دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية، فبلغت ستة أجزاء كبيرة، ويكفي كما ذكرنا أن شيخ الإسلام أملي في تفسير: (قل هو الله أحد) مجلدا كبيرا سماه جواب أهل العلم والإيمان في أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وأملي في تفسير قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوي) قرابة خمس وثلاثين كراسة.
وقد أكثر شيخ الإسلام من تأليفه في العقيدة وأصول الدين، والرد على المبتدعين والمخالفين، فقد تعددت الطوائف والفرق على الساحة الفكرية، وأصبحت كالأوبئة البيئة، التي انتشرت فيها أمراض الجهمية والمعطلة