الصفحة 5 من 15

والأشعرية، والمجسمة والمشبهة والسليمية، والمناطقة والفلاسفة والدهرية، والشيعة والقدرية والباطنية، والحلولية والنصيرية والصوفية، إضافة إلي حركة اليهودية والنصرانية، وفساد الحالة السياسية، كل ذلك تطلب فكرا ثاقبا خارقا، وعقلا ممحصا واعيا مدققا، يرفع راية القرآن والسنة على هذه الأمراض الفكرية، ويحصن المسلمين بالأمصال الوقائية، بحيث يري المؤمن ماء الحق الذي غطاه زبد الباطل، فكان شيخ الإسلام موسوعة علمية يرجعك إذا صاحبته إلي العقيدة السلفية، في أي مصنف من مصنفاته أو مؤلف من مؤلفاته.

ولقد أكثر رحمه الله التصنيف في العقيدة وأصول الدين، فضلا عن غيره من بقية علوم الدين، فسأله أبو حفص البزار عن سبب ذلك فقال: الفروع أمرها قريب، وكان أبو حفص البزار قد التمس منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته ليكون عمدة للناس في الإفتاء، فقال له ما معناه: فروع الدين أمرها قريب، وإذا قلد المسلم فيها أحد العلماء جاز له العمل بقوله ما لم يتيقن من خطأه، وأما العقيدة وأصول الدين، فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء، كالمتفلسفة والملاحدة والباطنية، والقائلين بوحدة الوجود والدهرية، والقدرية والنصيرية والجهمية، والحلولية والمعطلة والمجسمة والمشبهة، والراوندية والكلابية والسليمية، وغيرهم من أهل البدع، رأيت هؤلاء قد تجاذبوا في العقيدة بأزمة الضلال، وبان لي أن كثيرا منهم إنما أراد إبطال الشريعة المقدسة، المحمدية العلية الظاهرة، والظاهرة على كل دين، وأن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قل أن سمعت أو رأيت، معرضا عن الكتاب والسنة مقبلا على مقالاتهم، إلا وقد تزندق أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم، أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم ويمثل ف دلائلهم، ذبا عن الملة الحنيفية، والسنة الصحيحة الجلية، ولا والله ما رأيت فيهم أحدا ممن صنف في هذا الشأن، وادعي علوم المقام إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام، وسبب ذلك إعراضه عن الحق الواضح المبين، وعما جاءت به الرسل الكرام عن رب العالمين، وأتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات، التي سموها بزعمهم حِكَميات وعقليات، وإنما هي جهالات وضلالات، وكونه التزمها معرضا عن غيرها أصلا ورأسا، فغلبت عليه حتى غطت على عقله السليم فتخبط فيها ولم يفرق بين الحق والباطل، وآلا فالله أعظم لطفا بعباده، أن لا يجعل لهم عقلا يقبل الحق ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه، لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى، أوقع من أوقع في الضلال، وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب، ميزانا يزن به العبد الواردات التي ترد على القلب، فيفرق به بين ما هو من قبيل الحق، وما هو من قبيل الباطل، ولم يبعث الله الرسل إلا إلي ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده، فكيف يقال إنه مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى، هذا باطل قطعا يشهد له كل عقل سليم، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور، ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جل همي إلي الأصول وألزمني أن أوردت مقالاتهم وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة النقلية والعقلية) .

يقول أبو حفص البزار: وقد أبان بحمد الله تعالى فيما ألف فيها الحق من الباطل لكل بصير، وأعانة بتوفيقه حتى رد عليهم أهواءهم وبدعهم، وآراءهم وخدعهم، مع الدلائل النقلية بالطريقة العقلية، حتى إنه يجيب عن كل شبهة من شبههم، بعدة أجوبة جلية واضحة، يعقلها كل ذي عقل صحيح، ويشهد لصحتها كل عاقل فصيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت