ثم في ربيع الأول من سنة سبع وسبعمائة، دخل مصر أحد الأمراء من ذوي المكانة عند السلطان، واستأذن في الذهاب إلي شيخ الإسلام، وحضر بنفسه إلي السجن وأخرجه معززا منصورا، وعقد له المجالس التي تحدث فيها مرارا، وشرح ما يعتقده لأكابر الفقهاء والخواص من المسلمين، ومرت هذه المحنة على خير، وأقام شيخ الإسلام بالقاهرة يقرئ العلم ويبين الحق، ويتكلم في الجوامع والمجالس، ويجتمع عليه كثير من الخلق.
وبعد عدة أشهر اجتمع خلق كثير من الصوفية، وتقدموا بشكوى في شيخ الإسلام ابن تيمية، تقدموا بشكوى إلي قاضي الشافعية، فأمر باستدعائه إلي هذه القضية، وكانت تهمته التي ادعوها بزورهم المعهود، كلامه في ابن عربي ونقده لوحدة الوجود فادعي عليه ابن عطاء الله السكندري وابن عطاء من أعلام الصوفية، وصاحب كتاب الحكم العطائية، ادعي عليه أشياء تخالف الشريعة الإسلامية، ولم يثبت من ذلك شيء في كلام ابن تيمية، وكان كل ما قاله للناس أنه لا يستغاث بالنبي صلي الله عليه وسلم بعد موته، ولكن يتوسل إلي الله بإتباعه.
ثم إن المسئولين من الأمراء خيروه بين عدة أشياء، إما الإقامة بدمشق، أو بالإسكندرية، يتكلم بحرية، على شروط وضعها قضاة الأحناف والشافعية، من أصحاب العقيدة الأشعرية والطرق الصوفية، وإما الحبس والاعتقال، فاختار الحبس والاعتقال تقربا إلي رب العزة والجلال، واستمر الشيخ في الحبس يستفتي ويقصده الناس، وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس.
ثم بعد ذلك أخرجوه من القاهرة إلي الإسكندرية، وحبس فيها في برج حسن مضيء متسع، يدخل عليه من شاء ويمنع هو من شاء، ويخرج إلي الحمام إذا شاء، وقد حاول أعدؤه قتله غير مرة، ولم يتمكنوا من ذلك بفضل الله.
فلما تولي الملك الناصر ابن قلاوون سلطنة البلاد، بادر بإحضار شيخ الإسلام إلي القاهرة، معززا مكرما، وأكرمه السلطان إكراما زائدا، وعزل خصومه من القضاة، وقام إليه في مجلسه يتلقاه، وكان ذلك في شوال سنة تسع وسبعمائة، في مجلس حافل، فيه قضاة المصريين والشاميين، والفقهاء وأعيان الدولة من المسئولين، وبقي السلطان يسر إليه ويستشيره، ويثني عليه ويفرح بحضوره، ذكر ابن عبد الهادي أن السلطان ابن قلاوون استقدم شيخ الإسلام عنده ورحب به، ثم أخرج له من جيبه فتاوى لبعض علماء مصر، الذين أفتوا بقتل شيخ الإسلام ابن تيمية، واستفتي السلطان ابن تيمية في أن يقتل بعضهم، ممن زوروا عليه وأفتوا بقتله، يقول ابن تيمية رحمه الله: ففهمت مقصود السلطان ابن قلاوون، وعلمت أن عنده حنقا شديدا عليهم، لأنهم كانوا قد خلعوه، وبايعوا ركن الدين بيبرس الجاشنكير، يقول ابن تيمية: فشرعت في مدح هؤلاء العلماء وشكرهم، وأنهم لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، وأما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي.
فأصلح السلطان بينه وبين كثير من خصومه، وكان خصمه ابن مخلوف يقول: ما رأينا أتقي من ابن تيمية، سعينا في دمه، فلما نجاه الله وقدر علينا عفا عنا.
وقد سكن شيخ الإسلام بالقاهرة، والناس يترددون إليه من الجند والأمراء، وطائفة من الفقهاء والعلماء، ومنهم من يعتذر إليه من الإيذاء، أو يتنصل مما أبداه له من العداء.
ويذكر الذهبي أنه في شعبان سنة 711 هـ هجري إحدى عشرة وسبعِمائة، تجرأ أحد المبغضين لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الفقيه على بن يعقوب البكري من الشافعية المتعصبين للصوفية، تجرأ هذا الصوفي هو وجماعته، على