الصفحة 10 من 15

الإسلام مقبوضا عليه إلي القاهرة، وعقد له في اليوم الثاني من وصوله، جلسةُ النفوس المتآمرة، في عشرين من رمضان سنة خمس وسبعِمائة، وكان ذلك في قلعة صلاح الدين، وادعي عليه المتآمرون عند ابن مخلوف قاضي المالكية، أنه يثبت لله علو الذات والفوقية، وأن الله على العرش، ويشار إليه بإشارة حسية، وأنه يقول: إن الله تكلم بالقرآن، بحرف وصوت تسمعه الآذان، هذه تهمتهم لشيخ الإسلام ابن تيمية، ويذكر ابن رجب الحنبلي، أن هذا الذي اتهموه به، هو عين العقيدة السلفيه، التي كان عليها الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أشار الرسول صلي الله عليه وسلم إلي الله وأنه في السماء غير مرة.

ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَال بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلى النَّاسِ: اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.

فلما اتهموه بأنه يثبث لله علو الفوقية ويشار إليه بإشارة حسية، قال المدعي من الأشعرية في شأن شيخ الإسلام: أطلب تعزيره على هذا الكلام، والتعزير المقصود في قوله ذلك، يشير إلي قتله على مذهب مالك، فقال القاضي ابن مخلوف لشيخ الإسلام: ما تقول يا فقيه؟ فبدأ شيخ الإسلام بحمد الله والثناء عليه، فقاطعه القاضي ابن مخلوف قائلا له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال شيخ الإسلام: أأمنع من الثناء على الله؟ فقال القاضي: أجب فقد حمدت الله فسكت شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم قال: من الذي يحاكمني في هذه القضية؟ فقالوا: الذي يحاكمك هو القاضي ابن مخلوف، فقال شيخ الإسلام لابن مخلوف: أنت خصمي فكيف تحاكمني؟ وغضب الشيخ غضبا شديدا، ومقصوده أنهما متنازعان في مسائل الصفات الإلهية، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر في هذه القضية؟ فردوا الشيخ مع أخويه، وكانا قد اعتقلا معه إلي السجن، على الرغم من موافقته على أن يحكم في القضية ابن مخلوف القاضي، فأبي هؤلاء الحاقدين وأرادوا المبالغة في إهانته، وأمروا برده إلي السجن وانتظار إعادته، وفي حال خروجهم من المحكمة، دعا الله عليهم أخوه شرف الدين في هذه المظلمة، فمنعه شيخ الإسلام، وقال لأخيه شرف الدين: بل قل: اللهم هب لهم نورا يهتدون به إلي الحق، ثم حبسوهم أياما في برج القلعة، ثم نقلوهم ليلة عيد الفطر إلي الجب، وهو سجن تحت الأرض، ثم بعث بعض الناس إلي السلطان في الشام، بالإفراج عن الشيخ وخصوصا في مثل هذه الأيام، فالزم السلطان سائر الناس وخصوصا أهل مذهبه، بالإعراض والرجوع عن عقيدته، وتهديدهم بالسجن والاعتقال، ونودي بذلك في الجامع على الحال، ثم قرئ كتاب السلطان في الجامع بعد صلاة الجمعة، وحصل أذي كثير لأتباع الشيخ من الحنابلة، وحبس بعضهم وصودِرَت كتبهم.

ثم بعد ذلك بزمان أحضر نائب السلطان، القضاة والفقهاء وعلماء الكلام، وكلمهم في إخراج شيخ الإسلام، فوافقوا بشرط أن يرجع عن عقيدته في الصفات، وأرسلوا بذلك إليه من يقوم بإجراء المفاوضات، فأبي وفضل السجن على نفي الصفات، وتردد الرسول إليه ستَ مرات، وصمم شيخ الإسلام على عدم الحضور إليهم، فطال المجلس عليهم، وانصرفوا خاسرين خائبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت