الصفحة 7 من 15

فإنما أمرنا بأن نرضي بمثل المصيبة - كسقم وفقر ثم ذل وغربة وما كان من مؤذ بدون جريمة - إلي أن قال: وحكمته العليا اقتضت ما اقتضت من الفروق بعلم ثم أيد ورحمة - يسوق أولي التعذيب بالسبب الذي يقدره نحو العذاب بعزة - ويهدي أولي التنعيم نحو نعيمهم بأعمال صدق في رجاء وخشية - وأمر إله الخلق بين ما به يسوق أولي التنعيم نحو السعادة - فمن كان من أهل السعادة أثرت أوامره فيه بتيسير صنعة - ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل بأمر ولا نهي بتقدير شقوة - ولا مخرج للعبد عما به قضي ولكنه مختار حسن وسوأة - فليس بمجبور عديم الإرادة ولكنه شاء بخلق الإرادة - ومن أعجب الأشياء خلق مشيئة بها صار مختار الهدي بالضلالة - إلي أن قال: فدونك فافهم ما به قد أجبت من معان إذا انحلت بفهم غريزة - أشارت إلي أصل يشير إلي الهدي ولله رب الخلق أكمل مدحة - وصلي إله الخلق جل جلاله على المصطفي المختار خير البرية.

يقول أبو حفص البزار: حدثني غير واحد من العلماء الفضلاء النبلاء، المهتمين بالخوض في أقاويل المتكلمين لإصابة الثواب، وتمييز القشر من اللباب، أنه لم يزل حائرا في تجاذب أقوال الأصوليين ومعقولاتهم، وأنه لم يستقر في قلبه منها قول، ولم يبن له من مضمونها حق، بل رآها كلها موقعة في الحيرة والتضليل، وجلها ممعن بتكلف الأدلة والتعليل، وأنه كان خائفا على نفسه من الوقوع بسببها في التشكيك والتعطيل، حتى من الله تعالى عليه بمطالعته مؤلفات هذا الإمام الجليل، أحمد بن تيمية شيخ الإسلام، وما أورده من النقليات والعقليات في هذا النظام، فما هو إلا أن وقف عليها وفهمها، فرآها موافقة للعقل السليم وعلمها، حتى انجلي ما كان قد غشيه من أقوال المتكلمين من الظلام، وزال عنه ما خاف أن يقع فيه من الشك وظفر بالمرام.

ثم يقول أبو حفص البزار: ومن أراد اختبار صحة ما قلته، فليقف بعين الإنصاف، العرية عن الحسد والانحراف على مختصراته في هذا الشأن، كشرح العقيدة الأصبهانية ونحوها إن شاء أن يقف على مختصراته، وإن شاء أن يقف على مطولاته، فلينظر في تخليص التلبيس من تأسيس التقديس، والموافقة بين العقل والنقل، ومنهاج الاستقامة والاعتدال، فإنه والله يظفر بالحق والبيان، ويستمسك بأوضح برهان، ويزن حينئذ في ذلك بأصح ميزان.

فهذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية قطع حياته لميراث النبوة، فكان إماما وقدوة، فيها إلي علم تكون به إماما مطاعا إن أمرت وإن نهيت - وتجلو ما بعينك من غشاها وتهديك السبيل إذا ضللتا - وتحمل منه في ناديك تاجا ويكسوك الجمال إذا اغتربتا - ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقي ذخره لك إن ذهبتا - يمثل د بكثرة الإنفاق منه وينقص به إن كفا شددتا - فلو قد ذقت من حلواه طعما لآثرت التعلم واجتهدتا - ولم يشغلك عنه هوى مطاع ولا دنيا بزخرفها فتنتا - فرأس العلم تقوى الله حقا وليس بأن يقال لقد رأستا - إذا ما لم يفدك العلم خيرا فخير منه أن لو قد جهلتا - وإن ألقاك فهمك في مهاو فليتك ثم ليتك ما فهمتا - ولا تحفل بمالك واله عنه فليس المال إلا ما علمتا - وليس لجاهل في الناس معني ولو ملك الأرض له تأتي - وما يغنيك تشييد المباني إذا بالجهل نفسك قد هدمتا - لئن رفع الغني لواء مال لأنت لواء علمك قد رفعتا - وإن جلس الغني على الجبال لأنت على الكواكب قد جلستا - وإن ركب الجياد مسومات لأنت بمنهج التقوى ركبتا - فقابل بالقبول صحيح نصحي فإن أعرضت عنه فقد خسرتا - ولنا لقاء آخر بإذن الله مع شيخ الإسلام ابن تيمية وسيرته العلمية، وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وسائر أصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت