الْمُقْسِطِينَ جاءت عامة في وصف الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الذين ينبغي على المؤمنين أن يبروهم ويقسطوا إليهم, كما كان ذلك حال الحبشة التي لم تكن في التاريخ دولة مسلمة, ولكن دولة المسلمين سالمتها ولم تفرض عليها الجزية, وقد أخرج أبو داود حديثًا مرسلًا, ولكن معناه منسجمًا تمامًا مع منطق الحرب في الإسلام:"عَنْ أَبِي سُكَيْنَةَ رَجُلٌ مِنْ الْمُحَرَّرِينَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, عَنْ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ قَالَ: دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ" (أبو داود, الملاحم 3748) . وفي عون المعبود شرح سنن أبي داود, تعليق يرشد إلى أن الترك يعني الامتناع عن المبادأة بالحرب. وسبب ذلك أن الحرب لم تشرع في الإسلام إلا لأحد أمرين أو كليهما معًا: الأمر الأول: حالة الدفاع ضد معتدٍ أو طرف يحضر للاعتداء, والأمر الثاني: الجهاد ضد دولة يعترض حاكمها طريق وصول الرسالة إلى شعبه, فيصادر على حق الناس في العلم بالرسالة الخاتمة وحق كل في الاختيار الحر بين اعتناق الإسلام أو الإعراض عنه؛ والحبشة لم تكن تصد دعاة الإسلام ولا تدبر للاعتداء على المسلمين, فسالموها, بالرغم من أن شعبها لم يعتنق الإسلام. ولم ينقل التاريخ أن المسلمين أجبروا فردًا واحدًا على الإسلام. ومجتمعاتنا المعاصرة مجتمعات منفتحة الثقافات؛ بل أكثر من ذلك, فسمة المجتمعات الديمقراطية أنها هي التي تسعى إلى جلب المعرفة بالإسلام إلى ثقافاتها, ولا تمنع أحدًا من اعتناق ذلك الدين القيم الذي هو تتمة لسلسلة الرسالات التي أرسلها رب العالمين إلى البشر. أما الآية الثانية: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} ؛ فهي لا تحتاج إلى شرح أو تعليق, حيث إنها صياغة بليغة لمبدأ يقره العقل وتفهمه جميع الأمم.
ولأن الخصومة والموالاة لا تتعامل مع أشخاص معينين بذاتهم, بل مع صفات ومواقف قابلة للتغير والتبدل لدى البشر جميعهم؛ فيمكن إذًا التكلم عن تفصيلات تتطلب أحكامًا مختلفة:
أ) هناك مشرك بالله تعالى, أو ملحد, ولكنه مسالم مأمون الجانب: وهذا يجب التعامل معه بالبر والإحسان، عملًا بما ورد بالآيتين السابق ذكرهما من سورة الممتحنة, وعلينا أن ندعوه بلطف إلى الإسلام ونجاته من الكفر.
ب) هناك مشرك أو ملحد, ولكن يقتصر اعتداؤه على الاستهزاء بآيات الله تعالى دون التعدي المادي الجسدي على المؤمنين: وهذا يرد عليه بحزم وينصح بترك الاستهزاء بمقدسات المسلمين. ويكون التبرؤ منه في وقت محدد وهو وقت استهزائه بآيات الله, عز وجل, وينهى المؤمنون عن الجلوس معه حين يستهزئ بالله تعالى وآياته، فإذا تحدث في موضوع آخر فلا بأس بالجلوس معه وجعله محلًا للنصح والدعوة.