إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتيح وجود سائر الأديان والاتجاهات في مجتمعه ودولته، ويمنحها الحرية الكاملة في ممارسة الشعائر والطقوس والعبادات، وتنفيذ تعاليمها وأحكامها, دون أن يفرض على أتباع هذه الديانات شعائره وأحكامه, ودون أن يتدخل في شؤونهم الدينية.
لقد تعهد رسول الله, صلى الله عليه وسلم, لنصارى نجران بضمان حريتهم الدينية ليقيموا عباداتهم وشعائرهم, وجاء ذلك في العهد المنقول إلينا في كتاب أبي الحارث بن علقمة, أسقف نجران, وهذا نصه:"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي ..."
إلى الأسقف أبي الحارث، وأساقفة نجران وكهنتهم، ومن تبعهم، ورهبا نهم:
إن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته, ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم، ولا شيء مما كانوا عليه. على ذلك جوار الله ورسوله أبدًا، ما نصحوا واصطلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين"."
وقد أشاد"آدم متز"بمستوى الحرية الدينية في ظل دولة الإسلام, فقال:"لم تكن الحكومة الإسلامية تتدخل في الشعائر الدينية لأهل الذمة، بل كان يبلغ من بعض الخلفاء أن يحضر مواكبهم وأعيادهم ويأمر بصيانتهم، وإن الحكومة في حالات انحباس المطر، كانت تأمر بتنظيم مواكب يسير فيها النصارى, وعلى رأسهم الأسقف, واليهود وعلى رأسهم النافخون بالأبواق."
ويقول"جولد تسيهر":"سار الإسلام لكي يصبح قوة عالمية على سياسة بارعة, ففي العصور الأولى لم يكن اعتناقه أمرًا محتومًا, فإن المؤمنين بمذاهب التوحيد, أو الذين يستمدون شرائعهم من كتب منزلة كاليهود والنصارى والزرادشتية, كان في وسعهم متى دفعوا ضريبة الرأس (الجزية) أن يتمتعوا بحرية الشعائر وحماية الدولة الإسلامية، ولم يكن واجب الإسلام أن ينفذ إلى أعماق أرواحهم, وإنما كان يقصد إلى سيادتهم الخارجية. بل لقد ذهب الإسلام في هذه السياسة إلى حدود بعيدة, ففي الهند مثلًا كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل والمعابد في ظل الحكم الإسلامي."
وجاء في الأخبار النصرانية شهادة تؤيد مدى التسامح الإسلامي، وهي شهادة"عيشويابة"الذي تولى كرسي البطريركية (647 - 657 هـ) , إذ كتب يقول:"إن العرب الذين مكنهم الربّ من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا، ويوقرون قسّيسينا, ويمدّون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا".
2 -حرص الإسلام على تحرير الإنسان:
أ) تحرير الإنسان من قيود العبودية لغير الله لكي يفهم معنى العبودية للرب.