فهرس الكتاب
فإذا نزل الحكم المتأخر رفع الحكم المتقدم فهذا اصطلح العلماء-رحمهم الله- على اعتباره نسخًا.
والنسخ ثابت بدليل الكتاب والسُّنة وإجماع العلماء-رحمهم الله- فالله ينسخ ما يشاء من الأحكام ويثبت ما يشاء كيف شاء وكما شاء ومتى شاء يحكم ولا معقب لحكمه-سبحانه- وهو سريع الحساب، فهذا النسخ فيه حكم عظيمة وأسرار جليلة كريمة ففيه امتحان للعباد بالتسليم والرضا والقبول بحكم الله - سبحانه وتعالى -، وفيه التخفيف من الله - عز وجل - فربما كان الحكم الأول شديدًا يبتلي الله - عز وجل - به الأمة ثم يخفف بعد ذلك عليهم وهذا هو النوع الأول من النسخ والذي يسميه العلماء بـ (نسخ الأثقل بالأخف) فيكون الحكم الأول ثقيلًا وقويًا وشديدًا ويكون الحكم الناسخ أخف منه.
ومن أمثلة ذلك: وجوب مصابرة الواحد للعشرة في الجهاد في سبيل الله فكان المسلمون إذا لقو العدو أمروا بأن يصبر الواحد لقاء العشرة فهم مأمورون بمصابرة عشرة أضعافهم وهذا الحكم خففه الله - عز وجل - فأوجب عليهم أن يصابروا وأن يصبر الواحد لقاء الاثنين كما قال-تعالى-: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فخفف الله - سبحانه وتعالى - فجعل مصابرة المائة للمائتين نسخًا لمصابرة العشرين للمائتين تخفيفًا من الله - سبحانه وتعالى - وتيسيرًا.
كذلك - أيضًا - يرد النسخ بالانتقال من الحكم إلى مساويه ومثله فلا يكون أثقل منه مثل نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة فالاستقبال في كلتا الحالتين واحد وليس فيه مشقة ولا عناء فهذا من الانتقال من الحكم إلى مساويه.
ويكون النسخ للأخف بما هو أثقل منه وأشد منه وهذا هو مذهب جمهور العلماء من أئمة الأصول على أن الشريعة يُنْسَخ الحكم الخفيف بما هو أثقل ونازع في ذلك بعض العلماء وحديث اليوم دليل على ثبوت النسخ للأخف بما هو أثقل منه ذلك أن الله - سبحانه وتعالى - أحل للمسلمين في أول الأمر أن يتكلموا في الصلاة فهذا تيسير وسعة وفيه خفة في الحكم ثم جاءت العزيمة وجاء التشديد من الله - سبحانه وتعالى - فنهوا عن الكلام أثناء الصلاة، ومن هنا ترجم الإمام المصنف-رحمه الله- بنسخ الكلام في الصلاة أي في هذا الموضع سأذكر لك ما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث التي تدل على حرمة الكلام أثناء الصلاة ولما عبر المصنف-رحمه الله- بقوله:"باب نسخ الكلام في الصلاة"فهمنا أن هناك منسوخًا وأن هناك حكمًا سابقًا لهذا الحكم وكلا الأمرين الناسخ والمنسوخ أشار إليه زيد - رضي الله عنه - في هذا الحديث فقال:""