فهرس الكتاب
للحبشة فسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث الصحيح وكان ذلك بمكة فلم يرد عليه-عليه الصلاة والسلام- قال:"فأخذ عبدالله بن مسعود ما أقبل وأدبر"يعني أخذه أمر عظيم وظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفسه شيء عليه فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد عليه السلام فلما سلم-عليه الصلاة والسلام- قال: (( إن الله يحدث في أمره ما شاء وإن الله أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة ) )فنهى-عليه الصلاة والسلام- عن الكلام في الصلاة.
فالإشكال هنا: أن النسخ وقع بمكة؛ لأن قدوم عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - كان قبل الهجرة والآية مدنية، ولذلك للعلماء كلام طويل في هذا الحديث وفي الحقيقة عند النظر والتأمل والإنصاف نجد أن أدق الأقوال ما أشار إليه بعض الأئمة كالإمام الحافظ ابن حبان-رحمه الله تعالى- وغيره أنه لا يمنع أن ينسخ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسُّنة ثم يأتي القرآن مواقفًا لذلك النسخ حكاية لحكم الله - عز وجل - أو تأكيدًا لذلك الحكم فهذا لا يمتنع.
ويبقى الإشكال في قول زيد في حديثنا - رضي الله عنه -"كان الرجل منا يكلم صاحبه"فمعنى ذلك أنهم كانوا في المدينة يصلون يكلم الرجل صاحبه وهذا يعني محل إشكال عند العلماء.
وجوابه: أن يقال إن زيدًا قصد حكاية الحال ولم يقصد الفعل نفسه أو يقال إنه تشريع مكي نسخ بمكة ثم بقي بعض الصحابة على هذا التشريع خاصةً من هاجر منهم في أول الهجرة وكان مصعب - رضي الله عنه - يُعَلّم الصحابة الصلاة فبقوا على هذا التشريع ثم نزل القرآن مؤكدًا بما دلت عليه السُّنة من حرمة الكلام في الصلاة.
وقوله - رضي الله عنه:"حتى نزل قول الله-تعالى-: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ {": هذا من نسخ السُّنة بالكتاب إذا قلنا إن النسخ وقع بالآية وفي قوله-تعالى-:} قَانِتِينَ {القنوت يطلق ويراد به معانٍ: منها الخشوع، ومنها العبادة، ومنها الإقرار، ومنها السكون، ومنها السكوت، فيقال قنت إذا سكت فالمراد هنا} قَانِتِينَ أي ساكتين وفي الواقع لا يمتنع من حمل الآية على هذه المعاني كلها وهذه من أسرار القرآن العجيبة الغريبة أن الآية الواحدة تحتمل أكثر من عشرة أوجه ولكنها لا يتعذر حملها على أي وجه فتصلح في الدلالة على جميع هذه الوجوه وهذا من عظمة كلام الله - سبحانه وتعالى -، ومن هنا تعذر وامتنع شرعًا أن يترجم القرآن حرفيًا إلى أي لغة؛ لأنه لا يمكن لأي لغة أن تتضمن هذه الأسرار وهذه البحور من المعاني البديعة الجميلة التي تضمنتها هذه اللغة التي اختارها الله - عز وجل - لخير كتبه وأفضلها على الإطلاق قال - صلى الله عليه وسلم: (( إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ) ).
أما المسألة التي أشار إليها المصنف-رحمه الله- الكلام في الصلاة فاتفق العلماء من حيث الجملة على أن