وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-:"إن السفر هو ما لا يقطع إلا بكلفة ومشقه؛ لأن في الحديث:"السفر قطعة من العذاب"فإذا كانت المسافة لا تقطع إلا بهذه المشقة، سمي سفرا". وقال أيضا في بعض الأماكن: إن السفر هو الذي يحتاج فيه المسافر إلى أن يحمل معه الزاد والمزاد، أن يحمل معه الطعام والشراب، إذا كانت المسافة يحتاج إلى أن يحمل فيها زاده، بأن يقطع عنه تمرا أو دقيقا، وكذلك ما أن إذا لم يكن الماء متوفرا في الطريق، فهذا هو السفر الذي يقصر فيه، ما يحتاج إلى حمل الزاد فيه، وأما الذي لا يحتاج لقصره، فإنه لا يسمى سفرا، هكذا قال.
ثم إن شيخ الإسلام -رحمه الله- قدره بالزمان لا بالمسافة، قدر السفر بالزمان الذي يقطعه الإنسان لا بالمسافة، فيقول: إن المسافة القريبة إذا قطعها الرجل في مدة طويلة، ترخص وسمي مسافرا، ولو كانت مثلا عشرة أميال، ولكن قطعها في يومين، فإنه يسمي مسافرا، وإذا كانت المدة قصيرة قطع فيها مسافة طويلة، فإنه لا يسمى مسافرا ولا يقصر. ويضرب مثلا في زمانه بقوله: فلو ركب رجل فرسا سابقا، وقطع مسافة لا تقطع إلا في يومين، ورجع في يومه، فلا يترخص ولا يسمى مسافرا، ولو قطع ثلاثمائة ميل، أو أربعمائة ميل، قطعها في يوم ورجع في يومه، فإنه لا يترخص؛ لأن الناس لا يفقدونه إذا ذهب يوما وليلة ثم رجع، لا يفقده جيرانه، ولا يأتون إليه يهنئونه ويسلمون عليه، ما غاب إلا أربعة وعشرين ساعة (يوما وليلة) ، فلا يسمى مسافرا. فهذا هو اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله-: أنها تقدر بالزمان لا بالمساحة، فمساحة طويلة قطعت في زمن قصير لا يسمى سفرا، ومساحة قصيرة قطعت في زمن طويل يسمى سفرا.
وحتى لو كان للنزهة، فلو خرج أناس للنزهة، وأبعدوا عن البلد، عن الرياض مثلا، أبعدوا عنها أربعين كيلو، ولكن نزلوا هناك في مخيم (في خيمة) ، أو تحت شجر، فإنهم إذا أقاموا يومين، أو ثلاثة أيام أو عشرة، فإنهم يقصرون؛ وذلك لأنهم يعتبرون مسافرين على هذا الاصطلاح.
وأما من يرجع في يومه فلا يسمى مسافرا، فلو ركب طيارة ووصل إلى مصر، ثم رجع في يومه، فلا يسمى مسافرا، ولو ركب سيارة سريعة ووصل إلى القصيم، ورجع في يومه أو في ليلته، فلا يترخص ولا يسمى مسافرا؛ وذلك لقصر المدة التي قطعها.