ذلك دليل على فضل هذه السورة، وإن كان بعض العلماء ضعف ذلك الحديث، ولكنه شهرته وكثرة العمل به تدل على أن له أصلا.
"والجمعة في أولتها": يعني في صلاة الجمعة يسن أن يقرأ فيها بسورة الجمعة في الركعة الأولى، والمنافقين في الثانية، هكذا روي أنه (يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة وسورة المنافقين، وقالوا إن هذا لم يقل به إلا الإمام أحمد، كما ذكر ذلك ناظم المفردات في قوله:
ثم صلاة الجمعة اقرأ فيها ... سورتها وسورة تليها
سورتها هي سورة الجمعة، والسورة التي تليها هي سورة المنافقون، كان (يقرأ هاتين السورتين، يقرأ بهما، وكثيرا ما يقرأ بسورتي(سبح) و (الغاشية) ، يعني أكثر ما كان يقرأ بهاتين السورتين {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (( (} [1] لأن فيها الأمر بالتذكير في قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (( (} [2] أي مناسب أن تقرأ هذه السورة؛ لأن الجمعة وقت تذكير، ثم تقرأ بعدها سورة الغاشية؛ لأن فيها أيضا أمر بالتذكير {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (( (( } [3] فالسورتان فيهما الأمر بالتذكير.
وأما الجمعة ففيها الأمر بالتوجه {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [4] والمنافقون في آخرها -أيضا- الاهتمام بذكر الله {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [5] فإن في الجمعة ذكر، {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ (( (( } [6] {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [7] فهذا مناسبة قراءة هذه السور.
يسن أن يقرأ (الم السجدة) و (هل أتى على الإنسان) في صبحها، أي فجر يوم الجمعة، يقرأ فيه بـ (الم السجدة) في الركعة الأولى، و (هل أتى على الإنسان) في الثانية، ومناسبتها أنه ورد أن الجمعة هو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، وفي هاتين السورتين تذكير بالمبدأ والمعاد.
قال النبي ("أفضل يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خُلِقَ آدم، وفيه أُدْخِلَ الجنة، وفيه أُخْرِجَ منها، وفيه تقوم الساعة"فإذا كانت الساعة تقوم في هذا اليوم، وكذلك -أيضا- هو مبدأ الخلق، ناسب أن تذكر السورتان، فيهما التذكير بذلك. التذكير بخلق السماوات {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ (( (( (( (} [8] إلى قوله: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (( (} [9] بدء خلق الإنسان، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، هذا بدء خلق الإنسان.
كذلك -أيضا- المعاد في قوله: {* قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ (( (( (( } [10] إلى قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ (( (( (( (( (} [11] وفيها أيضا ذكر الثواب والعقاب، ففي قوله تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ (( (( (( (( (( (( } [12] {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَاوَاهُمُ النَّارُ}
(1) - سورة الأعلى آية: 1.
(2) - سورة الأعلى آية: 9.
(3) - سورة الغاشية آية: 21.
(4) - سورة الجمعة آية: 9.
(5) - سورة المنافقون آية: 9.
(6) - سورة الجمعة آية: 9.
(7) - سورة المنافقون آية: 9.
(8) - سورة السجدة آية: 4.
(9) - سورة السجدة آية: 7.
(10) - سورة السجدة آية: 11.
(11) - سورة السجدة آية: 12.
(12) - سورة السجدة آية: 19.