باب
صلاة الاستسقاء سنة، وصفتها وأحكامها كالعيد، ويأمر بالتوبة وترك الظلم والصيام والصدقة، ثم يخرج بهم ليوم يعدهم ببذلة وتخشع وتذلل وتضرع بلا طيب، فيصلي ركعتين ثم يخطب واحدة يكثر فيها الاستغفار والدعاء والمأثور أحسن، ثم يحول ردائه ويخرج أهل الذمة ناحية إن خرجوا لا بيوم، وإن خيف كثرة المياه قال اللهم: حوالينا ولا علينا ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن.
صلاة الاستسقاء هي الصلاة عندما يحتاج الناس إلى المطر، يستسقون ربهم يقولون:"يا ربنا اسقنا"يعني: أنزل علينا المطر حتى تسقي أرضنا وتسقي أشجارنا وتسقي دوابنا، فهذا سبب تسميتها بالاستسقاء، مشتقة من السقي الذي هو سقي الماء، قال الله -تعالى-: {* وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى (( (( (( (( (( (} [1] يعني: طلب لقومه أن يسقوا، فيقال استسقى المسلمون يعني: طلبوا من ربهم أن يسقيهم؛ وذلك لأن الناس لا يستغنون عن ربهم، ولا عن فضله، فإن العباد محتاجون إليه في كل حالة، لا غنى بهم عن ربهم طرفة عين، وليس هناك ما ينزل من السماء من الرزق إلا المطر، نزله الله -تعالى- من السماء وسماه مباركا، قال تعالى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (( (} [2] {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا(48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (( (( } [3] .
فلذلك تسن صلاة الاستسقاء، يعني: طلب السقيا، فأولًا يعترف المسلمون بأن الجدب والقحط الذي يصيبهم بسبب الذنوب، قال الله -تعالى-: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (( (} [4] هكذا أخبر بأن المصائب سببها الذنوب، وأن ما يعفو الله عنه أنه أكثر مما يعاقبهم به، وأخبر بأنه لو عاملهم بما يستحقون من الذنوب لأهلك الدواب التي على الأرض، قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ (( (( (( (( } [5] أي: على وجه الأرض.
وجاء في بعض الأحاديث أو الآثار أنه إذا أجدبت الأرض، فإن البهائم ترفع رؤوسها إلى السماء وتقول -أو تلعن عصاة بنى آدم وتقول-:"منعنا القطرة بسبب ذنوبهم"أي: عصاة بنى آدم، وجاء في بعض الآثار أن الحبارى تموت في وكرها من ظلم الظلمة.
فإذن نقول على أهل البلاد التي يصابون بالقحط ونحوه أن يتذكروا أن ذلك بسبب سيئات اقترفوها، وأن هذا القحط ابتلاء من الله حتى يتذكروا أنهم مذنبون، وحتى يتوبوا وينيبوا إلى ربهم ويعترفوا بخطاياهم، هذا كله قبل أن يدعو رجاء أن يتوب الله -تعالى- عليهم وأن يرحمهم؛ ولذلك على الأئمة والخطباء في الجوامع ونحوها إذا حصل هذا الجدب أن يكثروا من تذكير الناس ووعظهم، ويخبروهم بأنهم هم السبب، وأن ذنوبهم هي التي حالت بينهم وبين رضى الله، وأوقعت بهم ما أوقعت من هذا السخط ومن هذا القحط والجدب والجفاف، ويبس الأشجار وغور المياه وانقطاع الأنهار كما هو واقع في الكثير من البلاد التي أصيبت بهذه المصيبة.
من ثم بعد ذلك عليهم أن يصلوا هذه الصلاة وتسمى صلاة الاستسقاء، وتسمى صلاة الاستغاثة؛ وذلك لأنهم يطلبون من ربهم أن يغيثهم، والغيث والغوث هو الإجابة والإعطاء لما يطلبوا، إذا أغاثهم فمعناه أنه أعطاهم ما يطلبونه منه، يقول الله -تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا (( (( (( (( (} [6] أي: يأتي بالغوث، الغوث هو إجابة سؤالهم، وإزالة شدتهم، فإن كل من دعوته فأغاثك فإن إغاثته هي إجابة ما أنت فيه وإعطاءك ما تطلبه ونصرك له إذا استغاثك، قال الله -تعالى-: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ (( (( (( (( (( } [7] أي: قال له أغثني فإني مضطر إلى إغاثتك، يعني: إلى نصرك، وقال الله -تعالى-: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ (( (( (( } [8] يعني: في غزوة بدر، لما أحدث المشركون بالمسلمين استغاثوا ربهم، يا ربنا أغثنا أغاثهم الله بالملائكة فكانت الملائكة غيث لهم وغوثا ونصرا.
فنصر الله -تعالى- يسمى غوثا، والمطر عند الاضطرار إذا دعوا ربهم يسمى غوثًا، يعني: إجابة لهم وتفريجًا لكرباتهم؛ لذلك تسمى هذه الصلاة صلاة الاستغاثة لأنهم يطلبون الغوث الذي هو إزالة الكرب.
هذه الصلاة سنة، تقدم أنها من آكد السنن، كثير من الفقهاء يجعلون آكد السنن هذه الصلاة، وبعضهم يقول: آكدها الكسوف، وكل منهم مجتهد، ولعل الصلاتين -الكسوف والاستسقاء- متقاربتان في الأهمية، هذه مهمة وهذه مهمة، وليست أحدهما فرضا، وإنما هي سنة مؤكدة.
على الإمام إذا أراد أن يستسقوا أن يحدد لهم يومًا، ويقول: موعدكم اليوم الفلاني أخرجوا فيه للاستسقاء، اطلبوا من ربكم الاستسقاء، فيخرجون ويصلون صلاة الاستسقاء.
ويجوز أن يستسقي بعضهم بمفرده أو يستسقي أهل بلد وحدهم، أو أهل بيت أو نحو ذلك، فإن الله -تعالى- يجيب من دعاه، والوقائع كثيرة، ذكر أن صاحب نخل خاف أن ييبس نخله، طلب من أهل البلدة أن يستسقوا، فقالوا: ننتظر أمرا من الملك، فخرج هو وأهله وأهل بيته وأطفاله إلى جانب نخلهم، فصلى ركعتين بعد طلوع الشمس ودعا الله -تعالى- مع أنه عامي، وقلب عباءته ورجع، فأنشأ الله سحابة أمطرت على شعب قريب من نخله فشرب نخله حتى روي، ولم يشرب غير نخله إلا خمس نخلات من جاره، أجاب الله -تعالى- دعوته، وكذلك جاء أحد الصالحين ووجد أخاه قد غار الماء من بئره، فاستقبل القبلة ودعا الله وبالغ في الدعاء، فما أمس الليل حتى جاء سيل وسقى ذلك النخل الذي كاد أن يموت، شخص واحد ولكنه من الصالحين دعا الله -تعالى- فأجاب الله دعوته.
(1) - سورة البقرة آية: 60.
(2) - سورة لقمان آية: 10.
(3) - سورة الفرقان آية: 48 - 49.
(4) - سورة الشورى آية: 30.
(5) - سورة النحل آية: 61.
(6) - سورة الشورى آية: 28.
(7) - سورة القصص آية: 15.
(8) - سورة الأنفال آية: 9.