وأما إذا كانت معركة فتنة بين المسلمين في هذه الحال يغسلون، وذلك لأنهم لا يطلق عليهم شهداء على الإطلاق، الشهداء الذين قال الله فيهم: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [1] هم الذين قتلوا في قتال الكفار، والذين قال الله: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (( (( (} [2] فإذا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون فإنهم يبقون على حالتهم التي ماتوا عليها، ومع ذلك لا يغسلون ولا يكفنون.
استثنوا من ذلك إذا كان الميت جُنُبًا، إذا مات وهو عليه جنابة؛ وذلك لأن أحد الصحابة يقال له حنظلة كان متزوجًا زواجًا حديثًا، ولما سمع القتال خرج وهو جُنب، فقاتل حتى قُتل فرآه النبي (تغسِّله الملائكة، فقالت امرأته: إنه قتل وهو جُنب.
فمن قُتل وهو جنب فإنه يغسل؛ فإنا لا نتحقق أن الملائكة تغسل كل قتيل، غسلت حنظلة .. ولكن لا يلزم أن يكون كل قتيل تتولى تغسيله، فيغسله أهله قبل أن يكفن.
الشهيد الذي قُتل في المعركة تنحى عنه الجلود، وينحى عنه الحديد، عادة أنهم يلبسون حديدًا، فيلبس على الرأس المِغفر الذي هو يسمى الخوذة، ويسمى المغفر لأنه يستر الرأس، فينحى عنه المغفر والمجن لأنه من الحديد، وينحى عنه -أيضًا- الدرع إذا كان قد لبس درعًا على بدنه، ويسمى أيضًا الجوشن الذي يمنع وقع السلاح، ينحى عنه الجلود إذا كان قد لبس جلودًا على بدنه يتقي به -أيضًا- وقع السلاح.
بعد ذلك يزمل في ثيابه التي قُتل فيها، ولو كان فيها دماء .. فيها ندب، وإن سلبها فلا يدفن عاريًا، بل لا بد أن لا بد أنه يكفن إذا سلب تلك الثياب التي عليه .. أو تمزقت التي عليه، فيزمل في ثيابه، فإن سُلِبَها كُفن في غيرها.
ولا يصلى على القتلى؛ لأن في حديث جابر أنهم زُمِّلوا في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصلى عليهم، هكذا ذكر جابر، وأن ما ذكر ابن إسحاق من أنه صلى عليهم وأن حمزة وضعه بين يديه، وكلما صلى على
(1) - سورة آل عمران آية: 140.
(2) - سورة البقرة آية: 154.