أقاربه الذين هم أولى به، فإنهم قد أصيبوا بمصيبة يستحقون أن تأتيهم فتسليهم وتخفف عنهم -أي: أمر هذه المصيبة-، وتحثهم على الصبر، وتحذرهم من التشكي، وتحذرهم من النياحة ومن عمل الجاهلية.
يقول هنا:"وجَعْل علامة على المصاب"هكذا كانوا المصاب الذي مات أبوه يجعل عليه علامة، إما أن يلبس عمامة سوداء، وإما أن يلبس عباءة سوداء حتى يعرف فيعزى، هكذا ذكروا ولكن لا دليل على ذلك، وقد أنكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه، ذكره في كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) ، وذكره أيضا في غيره من مؤلفاته، وذكره ابن القيم أيضا، دل ذلك على أن هذا من شعار الجاهلية، لا يجعل المصاب على بدنه شيئا علامة يعلم بها، بل يجلس في بيته ليعزيه من يريده.
لا مانع من أن يجتمع أهل الميت: أولاده وإخوته في بيت أحدهم؛ حتى يقصدهم المعزي الذي يريد أن يسليهم ويريد أن يحثهم على الصبر؛ وذلك لأنهم قد يكونون متفرقين، قد يكون بعضهم في شرق البلاد وفي غربها فيتكلف المعزي يذهب إلى هنا وإلى ههنا، فإذا اجتمعوا وجدهم بمكان فعزاهم وحثهم على الصبر ورغَّبهم في الأجر ونحو ذلك، وحصل على أجر التسلية، جاء في حديث عن حذيفة قال:"كنا نعد الاجتماع عند الميت وصنعة الطعام من النياحة"، وكأنه يقصد أناسا يجتمع أهل القرية كلهم في مكان الميت، يجتمعون ولو مائة أو أكثر، يجلسون ثلاثة أيام وهم عند أهل الميت، ولا شك أنهم يكونون بذلك كأنهم عظموا هذه المصيبة، فيكون ذلك من النياحة.
وقد عَدَّ النبي (النياحة من أمر الجاهلية وقال:"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قَطِران، ودرع من جرب"يعني: ميزة للنائحة -والعياذ بالله-؛ فلذلك لا تجوز النياحة.
يجوز إصلاح الطعام لأهل الميت، يصلح لهم أحد أقاربهم أو أحد جيرانهم؛ في الحديث عن عائشة قالت: قال النبي ("اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم"وذلك لأنهم في يوم المصيبة