كان أهل الزرع يجعلون مكانًا، يمكن طوله نحو خمسة عشر مترا، وعرضه كذلك، ويطينونه بطين قبل وجود البلاط، ثم يسمونه البيدر، إذا حصدوا الحصاد -الزرع- جاءوا به إلى هذا المكان المطين الذي أرضه مستوية، ثم جعلوا في وسطه خشبة، وجعلوا في هذه الخشبة حبلا طوله -مثلا- خمسة أمتار أو ستة، وجعلوا في هذا الحبل عُرَى، يأتون بالبقر وبالحمر ويدخلون رءوسها في تلك العرى، وتحتها ذلك القصب الذي هو قصب الزرع، وفيه السنبل، ثم تدور في البيدر حول تلك الخشبة، وتطأ ذلك الزرع وذلك القصب بحوافرها حتى تدكه، ويسمى هذا الدياس. يدوسون ذلك الزرع حتى ينفصل السنبل من القصب، يبقى القصب الذي هو سفير أو هو تبن، بعد ذلك يصفونه في الهواء، إذا هبت الرياح أخذوا يذرونه إلى أن يصفونه.
فالبيدر هو ذلك المطين الذي تجعل فيه التمور لتصفيتها، أو تجعل فيه الحبوب لدياستها، فإذا وصل أنه وُضع في البيدر استقرت الزكاة وثبتت، وأما قبل ذلك فإنه عرضة للسقوط؛ قد يأتيها رياح تذروها وتحملها رياح شديدة، وكذلك -أيضًا- قد ينزل عليها غرق، أو يحملها سيل، فإذا استقر في البيدر فإنه تثبت فيه الزكاة وتتعلق بالذمة.
"يسن الخرص"يرسل الإمام أناسا يخرصون، فيأتون إلى صاحب النخل ويقولون: نخلك يساوي عشرة آلاف كيلو، ولكن يدعون له الربع؛ لأنه قد يأكله أو يتصدق به، فيقولون: عشرة آلاف، أخْرِج زكاة سبعة آلاف ونصف، سبعة آلاف وخمسمائة، والبقية يسمح له به، يقول ("إذا خرصتم فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا فدعوا الربع"فذا الذي يدعونه، يتركونه لصاحب النخل أو لصاحب الزرع عوضا عن أكله، يأكل منه في حالة نضجه، ويتصدق ويمنح هذا كيسًا، ويمنح هذا نخلة، وما أشبه ذلك.
فإذا أرسل الإمام من يخرص فإنه يرسل أناسا موثوقين لهم ذمة، لا يظلمون صاحب الزرع فيزيدون عليه، ولا يظلمون الفقراء فينقصون من الزكاة، فإن الزكاة حق للفقراء، فيتركون الثلث لصاحب النخل عوضا عن المنح التي يمنحها لأقاربه ونحوهم. كانوا يفتخرون بمنح النخل ونحوه، يقول شاعرهم:
فليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوانح
يعني: أنه يجعلها عرايا، نخله يعطيه فلانًا ويعطيه فلانًا ثمرة نخلة أو قنوا أو نحو ذلك.
فليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوانح
فإذا أبى أكل بقدره، إذا أبى أن يدع له شيئًا، يعني قال: نخلك عشرة آلاف كيلو، يلزمك أن تخرج زكاتها كلها، فلصاحب النخل أن يأخذ بقدر الربع، أن يأكله وأن يقسمه ونحو ذلك. هذه زكاة الحبوب والثمار.
أما زكاة العسل: ففيها خلاف، فمنهم من أوجب فيه الزكاة ومنهم من لم يوجبه، فالإمام أحمد ثبت عنده الحديث الذي فيه إن رجلا منحه النبي (أو أقطعه واديا فيه عسل، وأمره أن يخرج الزكاة منه، وجعلوا نصابه مائة وستين، جعلوا نصابه ستمائة رطل، وقدروه بأنه قربتان إلا قليل، فإذا حصل من العسل على قربتين فإن عليه العشر؛ وذلك لأنه كسب جديد يكون فيه العشر، وقد تقدم أن في المعدن ربع العشر، مع أنه يحتاج إلى كلفة، وهذا قد تكون كلفته -يعني العسل- قليلة، ففيه العشر.
باب زكاة العروض
تُقَوَّم آخر الحول بالأحظ للمساكين من عين أو وَرِق، فإن بلغت نصابًا أخذ ربع عشرها بشرط ملكها بنية التجارة، ثم إن نوى القنية فلا، ثم لو نوى التجارة استأنف، ويضم أحد النقدين إلى الآخر كقيمة العروض وثمرة العام، ولا يضم جنس إلى غيره.
بعده باب زكاة العروض: العروض هي السلع التي تعرض للبيع، وهي غالب أموال الناس وتجارهم يتعاطون البيع في السلع، وهذه السلع يعم جميع ما يُشْتَرَى ويباع من عقار ومن قوت، صغير أو كبير، فإذا كانت تجارته في العقار يشتري هذه الأرض، ثم بعد حين يبيعها بربح، ثم يشتري أرضًا أخرى، ثم يبيعها إذا ربح فيها، فيشتري هذه العمارة، ثم يبيعها، ولا يجعلها مساكن يؤجرها، فمثل هذا تجارته أراضٍ وعقارات،