وكذلك بعد الوسطى، تقدم حتى أسهل، سار في مكان سهل بعيدًا عن الزحام واستقبل القبلة وجعل يدعو طويلا، أما عند الجمرة العقبة وهي التي تلي مكة فلم يُنقل أنه دعا؛ وذلك لأنه قد أنهى العمل، ولأن العقبة في ذلك الوقت كانت ضيقة، المكان ضيق.
وليس على الرعاة والسقاة مبيت إلا من غربت الشمس وهو بها فيلزم الرعاة فقط؛ وذلك لأن الرعاة يذهبون بالرواحل، الحجاج يحجون على الإبل، كل واحد منهم معه ناقة أو جمل يحمل عليها رحله ويركبها؛ لأن الطريق بعيد، والله -تعالى- يقول لما ذكر الأنعام: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [1] .
فهذه الرواحل قد يكون معهم مائة ألف أو أكثر من مائة ألف بعير، لا بد لها من علف، ولا يجدون في منى ما يعلفها كلها، فيرسلون معها الرعاة، هذا الراعي يذهب ومعه عشرون بعيرًا أو خمسون بعيرًا يقيم يومين وهو في البراري يرعاها، يعني: يتركها ترعى الأعشاب حتى لا تجوع، فإنها بهيمة تحس بالجوع:
حق المطية أن يُبدأ بحاجاتها ... لا أكرم الضيف حتى أُعلف الجملَ
فلا بد أنهم يعطون رواحلهم حظها من الراحة وحظها من الرعي، هؤلاء الرعاة يذهبون يومين في رعي هذه الإبل، فيشق عليهم أن يرجعوا للمبيت، فيأتي أحدهم الليل وبينه وبين منى مسيرة خمس ساعات فيبيت في البراري فيفوته الرمي في اليوم الحادي عشر، ويأتي في اليوم الثاني عشر فيرمي عن اليومين الحادي عشر والثاني عشر، ثم قد يرجع -أيضًا- فإن جاءه الليل وهو في منى فإنه يبيت؛ لأن الليل ليس محلا للرعي.
وأما إذا جاءه الليل وهو قد خرج يسوق هذه الدواب فإنه يستمر في سيره ويسقط عنهم الرمي في كل يوم يجمع عن الرمي في اليوم الأخير، أو يجمعونه في اليوم الأول: يرمون في الحادي عشر عن يومين، أو
(1) - سورة النحل آية: 7.