ـــــــــــــــــــــــ
ولكن لما كانت العقيدة مما يكفر المسلمون من خالف فيها أفردوها بالتأليف، أي جعلوها في كتب مستقلة، وجعلوا الباقي يتعلق بالأحكام، الكتب الفقهية هي التي فيها هذه الأحكام، وبدءوا بالعبادات؛ وذلك لأن العبادات حق الله، فلا بد أن يُهتَم بها، ولا بد أن تلقى اهتماما؛ حرصا منهم على أداء حق الله.
ولما انتهوا من العبادات كان أهم شيء عند الإنسان المكسب الذي به يحصل على المال، فإنه لا يستغني عن المال الذي يقوت به نفسه ومن تحت يده، فذكروا بعد العبادات المكاسب، التي هي المعاملات، ولم يتعرضوا للصناعات؛ لقلة الخلاف فيها، ولأن الأصل فيها الإباحة، ولكن تعلمها يعتبر دراسة أو خراسة، سواء الحرف الجديدة، كعلم الكهرباء والسباكة وما أشبهها، أو الحرف المتقدمة، كعلم النجارة والحدادة والخرازة والدباغة والخياطة والحلاقة والحجامة وما أشبهها، فإنها كلها من الحرف التي يتكسب بها والتي لا غنى للناس عنها، وفعلها من فروض الكفاية.
ولو أن الناس كلهم امتنعوا من أن يحجموا لتضرر الناس، لا بد لهم من حجامين، ولو كانت الحجامة بشعة أو مذمومة ولو أنهم امتنعوا من الحلاقة لتضرر الناس، فكان لا بد من الحلاقين الذين نحتاج إليهم لحلق الرأس ونحوه.
وكذا لو امتنعوا من الدباغة، وإن كانت الدباغة في هذه الأزمنة أصبحت تعمل بالماكينات ومثله، وكذلك الخرازة، وقد أصبحت أيضا تعمل الماكينات وما أشبهها، وكذلك الحدادة، عمل الحديد، وقد أصبحت أيضا تعمل بالأجهزة، وإن كان لا بد فيه من العمالة اليدوية.
هكذا النجارة وكذلك بقية الحرف، وهكذا الحرف الجديدة، يعني علم الكهرباء وعلم ما يسمى بـ -وإن كان قديما- ما يسمى بعلم الكيمياء والفيزياء والأحياء وعلم السباكة وما أشبهها، فإن هذه أيضا تُتخذ حرفا يتكسب بها أهلها، فكثير وكثير الذين يشغلونها ويجدون بها دخلا يغنيهم عن غيرها من الحرف.
وكذلك أيضا هناك الحروث لا تحتاج أيضا إلى تعلم، وإنما تحتاج إلى خبرة، غرس الأشجار، وحفر الآبار، وإخراج الماء بالنضح، وسقي الأشجار، وزرع الأرض وحرثها، وتعاهد الأشجار، هذا أيضا حرف كثير من الذين يعملون فيها ويجدون فيها كسبا يناسبهم ويستغنون به.
وكذلك أيضا الاشتغال بالمواشي؛ فإن البوادي يشتغلون بتربية المواشي، يسيرون خلفها ويتتبعون مواطن القطر لمواشيهم من إبل أو غنم ونحوها، يتتبعون بمواشيهم الأثر التي فيها رعي