ـــــــــــــــــــــــ
{كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} [1] وهذا الماشي فيها معيشتهم، فإنهم يشربون من ألبانها، ويأكلون من لحومها، وينسجون من صوفها، أي ينسجون من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا وبيوتا من الشعر يستخفونها يوم ظعنهم ويوم إقامتهم، وأكياسا ينسجونها أيضا، وفرشا يجلسون عليه وما أشبه ذلك، فيكون فيها أيضا غنى لكثير من الناس إذا تعلموها استغنوا ونفعوا غيرهم، فيأخذون لأنفسهم ما يستعملونه، وكذلك أيضا ما يبيعونه وينتفعون بثمنه، فيشترون بثمنها ما يحتاجون إليها من الأشياء التي لا يعملونها ولا يعتملونها.
قبل ستين أو سبعين سنة ما كنا نعرف هذه الماكينات ولا هذه الآلات التي هي تصنع الأجهزة ونحوها، فكان البوادي عائشين على مواشيهم، إذا جاء الربيع فإنهم يحلبون ويعملون السمن والأقط ويبيعون منه ما ينفعهم، ويتغذون باللبن، قد يبقون مثلا نصف سنة أو ثلث سنة وقوتهم اللبن، أو اللبن والأقط، وقد يشترون شيئا من التمر لأجل أن يأتدموا به وهكذا.
أما أهل القرى فإنهم أيضا يعيشون على حروثهم، فيأكلون منها يأكلون من البر الذي ينتجونه، ومن التمر الذي ينتجونه أيضا، ويأكلون من الخضار والفواكه التي يحصلون عليها من تلك الغراس، وكذلك أيضا تعمل نساؤهم ويعمل رجالهم، فالرجال يعملون هذه الحبال التي يفتلونها، منها ما يبيعونه، يأخذون الليف من النخل، ومنها ما يعملونه كالرشاء للدلاء وللغروب وما أشبهها.
النساء يعملن أيضا بأيديهن، يعملن من سعف النخل، ومن الخوص، يعملن الزنابيل التي تستعمل، والفرش التي هي حصر يجلس عليها، وكذلك يعملون الأغطية، أغطية الأواني من الخوص، وكذلك الفرش التي يحتاجون إليها، والخوان، وتسمى السفرة وغيرها، ولا يشترون شيئا، بل يبيعون من هذه الأدوات ويستعملونها ويغنون أنفسهم، يبيعون من التمور ومن الحبوب ما يحتاجون إليه في شراء بعض الأواني وما أشبهها، وفي شراء الأكسية والثياب وما أشبهها، هذه كانت حالتهم.
عندهم الحدادون الذين يعملون الحديد، الحداد هذا قد يعمل السيوف، يعني يصنع السيف، ويصنع قرابه، ويصنع الخناجر التي قد تستعمل في القتال ونحوه، ويصنع السكاكين، وهكذا أيضا يصنع الفأس، ويصنع الفواريغ التي يحتاج إليها، ويصنع المنجل الذي يقطع به يسمى المحش الذي يقطع به الحشيش، الذي يحصدون
(1) - سورة طه آية: 54.