فقال: إن شئت. فدلنا ذلك على أنه لا يلزم أن يتوضأ منه، يعني من لحم الغنم، وإنما إن شئت، وأما لحم الإبل فنعم يتوضأ منه.
أنكر ذلك الشافعية وكأنه ما ثبت عندهم الحديث، ما ثبت عند الشافعي ولما جاءت هذه الأحاديث تكلف علماؤهم وقالوا: إنها منسوخة بالرخصة في ترك الوضوء مما مست النار. كان النبي (يأمرهم أن يتوضئوا مما مست النار، ثم رخص بعد ذلك بترك الوضوء منه، كانوا يتوضئون من أكل الخبز ومن أكل الرز، ومن أكل اللحم عموما، لحم الغنم ولحم الطير ولحم الأرنب ونحوه؛ لأنه مطبوخ أو مشوي مسته النار، ومن شرب المرق وكذا من شرب المطبوخات على النار.
كانوا يتوضئون من ذلك كله، ولكن تبين أن هذا ليس بفرض، الوضوء مما مست النار، وإنما هو على الاستحباب، ثم رخص في ترك ذلك، ثبت أنه (أكل من كتف شاة ثم قام ولم يتوضأ وصلى، فدل ذلك على أنه لا يلزم دائما الوضوء مما مست النار.
ولما ذُكِرَ للإمام أحمد أن الشافعية -تلاميذ الشافعي- يقولون: إن لحم الإبل إنما كان ينقض الوضوء؛ لأنه مسته النار. فتعجب الإمام أحمد وقال: الحديث فيه لحم الإبل ولحم الغنم، أمر بأحدهما أن يتوضأ منه، وهو لحم الإبل دون لحم الغنم، وكلاهما مسته النار، فلو كانت العلة أنه قد مسته النار لما فرق بينهما.
ثم قال الإمام أحمد: أنا أقول يتوضأ من لحم الإبل ولو أكله نيئا أي لامتثال الأمر، أن الأمر واضح فالأمر بوضوء من أكل من لحم الإبل ولم يقل لأنه مسته النار، فلو أكله نيئا غير مطبوخ ولا مشوي صدق عليه أنه أكل من لحم الإبل فعليه أن يتوضأ.
بعد ذلك نقول: ما الحكمة في الأمر بالوضوء من لحم الإبل دون غيره من المأكولات؟
أولا: قال بعضهم: لما فيه من قوة التغذية، فإن تغذيته أقوى من تغذية غيره، فهو ينبت اللحم ويسبب قوة وذلك لقوة الإبل، وهو يسبب قوة تغذية، وهذه القوة قد تكسب الإنسان قوة شهوة وقوة غلبة وقوة اندفاع إلى الشهوات ونحوها، فيناسب أن يتوضأ من بعده؛ لأن الوضوء يخفف تلك القوة.