الآخرين، وجذبهم إلى نداء الله، وقد حكى القرآن الكريم ردّ كثير من الذين طلب إليهم أن يعرضوا الدعوة على أناس قد تحقّق من مواقفهم الماضية أنهم لا يؤمنون أبدًا، إنه يلقي ضوءًا ساطعًا على نوعية مسؤولية الداعية، ويحدّد موقفه تحديدًا واضحًا، {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) } [1] .
ثانيًا: الرغبة في قطع الطريق على أهل الشرّ والمعاصي، فإنّ دنيانا التي نعيش فيها، يوجد فيها كثير من نوازع الشرّ، والمطامع والأهواء الكثيرة، وأصحاب هذه النوازع يودّون أن يشبع كل ذلك في المجتمع ليكون الجميع سواء، فهم يدعون إلى فسادهم، ويحبّون أن تشيع الفاحشة في مجتمعاتهم من باب {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء:89] ولذلك فهم يتعاونون فيما بينهم {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِن الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) } [التوبة:67] فكان لا بّد من تعاون الأخيار وأهل الإيمان على الخير لينتشر الخير وتعّم الفضيلة {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة:71] [2] .
ثالثًا: لأنّ العقل مهما اتسعت آفاقه، وامتدت مداركه، فإنه لا يستطيع إدراك المغيّبات ومعرفتها على الوجه الصحيح، فالعقول لا تهتدي إلى معرفة كل ما ينفع الإنسان في حياته، ليأخذ به، ولا إلى معرفة كل مايضرّه في حياته ليتجنبه، وينجو مما يضره إلا في الشرع الآلهي.
فالعقول لا تعدو كونها آلة إدراك كحاسة العين التي هي آلة الإبصار، والعين قطعًا لا تبصر - مهما كانت سليمة وقوية- إلا في الضوء والنور، ولا يمكنها أن ترى وتبصر في الظلام أبدًا، وفي أي حال من الأحوال [3] .
ولأن الإنسان مركب من عقل وشهوة، وعقله قاصر، عن إدراك كثير من الحقائق، وشهوته غامرة تساعده في كثير من الأحيان على تجاوز الحق، وتطويع العقل إلى ما تميل إليه، وما تهواه وتشتهيه، قال تعالى: {* وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) }
(1) سورة الأعراف، آية: 164، وانظر: د. حمد بن ناصر العمار - صفات الداعية 22.
(2) انظر: جمعة أمين عبدالعزيز - الدعوة قواعد وأصول 22.
(3) انظر: أبابكر جابر الجزائري - عقيدة المؤمن 28، د. حمد بن ناصر العمار - صفات الداعية 19.