فهرس الكتاب
الخمر وأجرة المزنية والربا والسرقة ونحوها- أن الغنيمة فيها حق لجميع المسلمين، فإذا كان التصدق من المال الذي فيها حق غير مقبولة فأولى ألا تقبل من المال الذي ليس فيه حق )) [1] .
وقد نوقش هذا الاستدلال بأنه محمول على (( الذي يحوز المال ويتصدق به مع إمكان رده إلى صاحبه، أو يتصدق صدقة متقرب كما يتصدق بماله، فالله لا يقبل ذلك منه ) ) [2] .
وأما من يخرج المكاسب المحرمة لجهل أهلها أو عدم إمكان ردها إليهم (( فإنما يتصدق به صدقة متحرج متأثم، فكانت صدقته بمنزلة أداء الدَين الذي عليه، وأداء الأمانات إلى أصحابها، وبمنزلة إعطاء المال للوكيل المستحق ليس هو من الصدقة الداخلة في قوله: ولا صدقة من غلول ) ) [3] .
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: (( أما قول القائل لا نتصدق إلا بالطيب، فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا، ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر ) ) [4] .
واحتج القائلون بأنه لا توبة لكاسب هذه الأموال المحرمة إلا بإرجاع المال إلى أهله بأن هذا حق لآدمي لم يصل إليه، وحقوق بني آدم مبنية على المشاحة، فلا بد من استيفائها في الدنيا أو في الآخرة.
وقد نوقش هذا بأن الرد واجب مع الإمكان، والمال الذي لا يعرف مالكه يسقط وجوب رده لعدم الإمكان. وإمساكه محرم فلم يبق سبيل إلا التصدق به وإلا تعطل. وتعطيل الانتفاع به لا يجوز لما فيه من المفسدة والضرر بمالكه وبالفقراء وبمن هو في يده [5] .
وقد اختلف أصحاب هذا القول فيما يعمل بهذه الأموال؟
فقالت طائفة: حكمها حكم الأموال الضائعة تدفع لبيت المال، تحفظ لأربابها أبدًا.
(1) مرعاة المفاتيح 2/ 21.
(2) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 29/ 263.
(3) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 29/ 263. وقال شيخنا: هذا صحيح لأن قوله: ولا صدقة من غلول يعني تصدق به لنفسه بخلاف التصدق تخلصًا. ففرق بين من يتصدق تقربًا إلى الله بالصدقة كأنما تصدق من ماله وبين الذي تصدق تخلصًا منها، والثواب لصاحبها لكن الثاني يؤجر؛ لأنه تاب فيؤجر أجر التائب.
(4) إحياء علوم الدين 2/ 131.
(5) مدارج السالكين 1/ 419 - 421.