الصفحة 17 من 32

وبهذا قال جماعة من الشافعية [1] ، قال بعضهم: هو مذهب الشافعي، والمشهور عنه [2] .

وذهب الفضيل بن عياض إلى أن الواجب إتلاف المال المحرم. ولا يجوز أن يتصدق به. قال: لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب [3] .

وقد نوقش هذا القول بأنه سواء قيل بوقفها والاحتفاظ بها، أو قيل بإتلافها فإنه يلزم منه تعطيل هذه الأموال عن الانتفاع بها، ويترتب على ذلك حصول (( المفسدة والضرر بمالكه، وبالفقراء، وبمن هو في يده.

أما المالك فلعدم وصول نفعه إليه. وكذلك الفقراء.

وأما من هو في يده فلعدم تمكنه من الخلاص من إثمه فيغرمه يوم القيامة من غير انتفاع به. ومثل هذا لا تبيحه شريعة فضلا عن أن تأمر به وتوجبه. فإن الشرائع مبناها على المصالح بحسب الإمكان وتكميلها وتعطيل المفاسد بحسب الإمكان وتقليلها. وتعطيل هذا المال ووقفه ومنعه عن الانتفاع به مفسدة محضة لا مصلحة فيها فلا يصار إليه )) [4] .

كما أن هذا القول يتضمن إضاعة الأموال التي نهى الله عنها ورسوله [5] .

القول الثاني: أن لكاسب هذه الأموال المحرمة توبة منها. وقد اختلف أصحاب هولاء في طريقة التوبة إلى طائفتين:

الطائفة الأولى: أن من توبة الكاسب أن يتصدق بهذه المكاسب المحرمة عن أصحابها، وهي مضمونة لهم إن ظهروا أو أمكن ردها إليهم، فإن شاءوا أجازوا هذه الصدقة وأجرها لهم، وإلا لزم المعتدي بكسبها ردها إليهم. وبهذا قال أبو حنيفة [6] ، ومالك [7] ، وأحمد [8] ،

(1) أسنى المطالب 4/ 98، حاشية قليوبي وعميرة 2/ 34، 3/ 41، تحفة المحتاج 5/ 360.

(2) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 28/ 592، جامع العلوم الحكم 1/ 268.

(3) كتاب الورع ص 147، جامع العلوم الحكم 1/ 268، مدارج السالكين 1/ 418.

(4) مدارج السالكين 1/ 419. وينظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 28/ 596.

(5) رواه البخاري، كتابالأدب، باب عقوق الوالين من الكبائر، رقم (5518) ، ومسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل، رقم (3238) . من حديث المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ومنعا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ) ).

(6) حاشية ابن عابدين 4/ 283.

(7) الذخيرة 6/ 28، الخرشي على مختصر خليل 2/ 211.

(8) الفروع 2/ 666، الإنصاف 5/ 188، 6/ 212 - 213، مطالب أولي النهى 4/ 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت