فهرس الكتاب
وهذا ظلم لم يستدركه هو، وإنما انتفع غيره باستدراكه.
والأقرب التفصيل، فيقال إن كانت العين باقية، وطالب بها مالكها حتى مات، انتقل حق المطالبة إلى ورثته في الدنيا والآخرة لاستحقاقهم بالميراث.
أما إن هلكت العين في حياته فليس لورثته المطالبة بها في الآخرة لتلفه قبل انتقال الحق إليهم.
قال ابن القيم رحمه الله: (( إن تمكن الموروث من أخذ ماله، والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات صارت المطالبة به للوارث في الآخرة كما هي كذلك في الدنيا.
وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه بل حال بينه وبينه ظلمًا وعدوانًا، فالطلب له في الآخرة.
وهذا تفصيل من أحسن ما يقال؛ فإن المال إذا استهلكه الظالم على الموروث، وتعذر عليه أخذه صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، وداره التي أحرقها غيره، وطعامه وشرابه الذي أكله وشربه غيره.
ومثل هذا إنما تلف على الموروث لا على الوارث، فحق المطالبة به لمن تلف على ملكه.
يبقى أن يقال: فإذا كان المال عقارًا أو أرضًا أو أعيانًا قائمة باقية بعد الموت، فهي ملك للوارث يجب على الغاصب دفعها إليه في كل وقت، فإذا لم يدفع إليه أعيان ماله استحق المطالبة بها عند الله كما يستحق المطالبة بها في الدنيا )) [1] .
وبناء على ما تقدم فإن من فوَّت على غيره منفعة ماله بحبسه عنه لحقه من الإثم بقدر ما جنى من الظلم، وإن رده [2] .
يشهد لذلك ما روى البخاري [3] من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه، فطرحت عليه ) ).
(1) الداء والدواء ص 258.
(2) الاختيارات الفقهية ص 166.
(3) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، رقم (6053) .