الصفحة 26 من 32

أكان بإذن من المالك أم لا. وهذا قول عند الحنفية [1] ، وهو مذهب المالكية [2] ،

والشافعية [3] ، والحنابلة [4] ، والظاهرية [5] .

والذي يظهر أن هذه المكاسب المحرمة تخرج عن ملك من بذلها راضيًا إذا كان عالمًا بالتحريم أو الفساد؛ لأنه سلط الكاسب عليه بإذنه ورضاه، فلا يمكن أن يسوى بينه وبين من أخذ ماله من غير رضاه وإذنه.

قال ابن القيم: (( المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين. فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه كما في عقود الربا. وهذا عند من يقول: المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك.

فأما إذا تلف المعوض عند القابض، وتعذر رده فلا يقضى له بالعوض الذي بذله، ويجمع له بين العوض والمعوض.

فإن الزاني واللائط ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا عوضه المحرم، وليس التحريم الذي فيه لحقهم، وإنما هو لحق الله، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض. والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال الذي بذله في استيفائها.

وأيضا فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وعوضها جميعًا بخلاف ما لو كان العوض خنزيرا أو ميتة، فإن ذلك لا ضرر عليه في فواته، فإنه لو كان باقيًا أتلفناه عليه. ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث يتمكن من صرفها في أمر آخر:

(1) أحكام القرآن للجصاص 2/ 245، بدائع الصنائع 5/ 299.

(2) الفروق 2/ 83، 3/ 208، الفواكه الدواني 2/ 130. وقد ذكر بعضهم تفصيلًا فقالوا: إن قبض الكاسب هذه المكاسب المحرمة يفيد الملك إن فاتت أو تغير سوقها، وإلا فإنه لا يفيد الملك، بل هي باقية على ملك أصحابها.

(3) روضة الطالبين وعمدة المفتين 3/ 408.

(4) المغني مع الشرح 4/ 287، الإنصاف 4/ 362. قال شيخنا: الظاهر أنه متى أمكن رده وجب عليه رده وإذا لم يمكن بأن انتقل ملكه وباعه، فهو يفيد الملك يعني العبرة بالمشقة.

(5) المحلى 8/ 421.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت