الصفحة 27 من 32

أعني القوة التي عمل بها )) [1] .

لكن ينبغي أن يقال: إنه لما كان الرضا والإذن لا يكفيان في نقل الملك في كل الأحوال [2] ، فإن الكاسب في هذه الحال لا يستفيد الملك من كل وجه ككاسب الحلال، إذ لا يمكن أن يستوي الخبيث والطيب. لذلك كان لزامًا على كاسب المحرم في هذا النوع من المكاسب أن يتصرف بالتخلص منه بالتصدق، فهو نوع من الملك الخاص لا المطلق، فإن التخلص نوع تصرف لا يثبت إلا لمن كان له نوع ملك، إذ حقيقة الملك هي التصرف [3] .

ومما يستدل به على ذلك ما رواه الشيخان [4] من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد. يقال له: ابن الأتبية على الصدقة. فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي. قال: فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر يهدى له أم لا! فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يردها على من أهداها بل جعلها في بيت المال [5] .

المطلب الثالث: التوبة من هذا النوع من المكاسب

اختلف أهل العلم في طريق التوبة من المكاسب المحرمة الحاصلة بعقود فاسدة لأجل حرمة في العين أو المنفعة التي عقد عليها، وقد استوفى الطرفان العوض والمعوض, على قولين:

القول الأول: يجب أن يرد الكاسب الكسب المحرم إلى مالكه، إذ هو عين ماله، ولم يقبضه قبضًا شرعيًا، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح [6] .

(1) أحكام أهل الذمة 1/ 575.

(2) الفروق للقرافي 2/ 86، 3/ 208.

(3) أحكام القرآن للجصاص 2/ 190، الفروع 3/ 408.

(4) رواه البخاري، كتاب الهبة وفضلها والحث عليها، باب من لم يقبل الهدية لعلة، رقم (2407) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال، رقم (3414) .

(5) فتح الباري 13/ 167.

(6) مدارج السالكين 1/ 422.

وفي بعض كلام شيخ الإسلام ما قد يفهم منه هذا ففي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 29/ 307 أنه سئل:"عن رجل مراب خلف مالًا وولدًا، وهو يعلم بحاله، فهل يكون المال حلالًا للولد بالميراث أم لا؟ فأجاب: أما القدر الذي يعلم الولد أنه ربا فيخرجه، إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن وإلا تصدق به، والباقي لا يحرم عليه ...". وفي هذا الكلام إشكال فإن رد الربا إلى أصحابه مع كونها معاوَضة فهي مال بمال زائد لأجل الأجل أو للتفاضل يتضمن الجمع لهم بين العِوض والمعوض. وقد قرأت هذا الكلام على شيخنا ابن عثيمين يوم الاثنين 30/ 11/1412 هـ (فقال: هذا ليس من كلام شيخ الإسلام؛ لأنه يرى عدم إرجاع المال إلى المرابي. والقول بعدم الإرجاع هو الجاري على سنن القياس، والله أعلم) . وقال عند قراءة هذا البحث عليه في حل هذا الإشكال: كان الشيخ رحمه الله يرى أنه لم يدخل ملكه أصلًا لقوله تعالى: (فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت