فهرس الكتاب
القول الثاني: لا يجب على الكاسب أن يرد الكسب المحرم إلى مالكه، بل يجب عليه أن يتصدق به، ولا يرده إلى من استوفى عوضه.
وذلك لما تقدم من أنه لا يجمع لمن استوفى المنفعة المحرمة بين العوض والمعوض، فإن في ذلك من المعونة والتقوية للفجار والمعتدين مالا يتناسب مع شرع رب العالمين.
وقد نوقش هذا بأنه لا تزال هذه المكاسب المحرمة على ملك أصاحبها؛ لأنه قد انتقلت بعقد فاسد.
وأجيب عن هذه المناقشة بما ذكره ابن القيم رحمه الله: (( وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ، فملك صاحبه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه، وقد سلّم له ما في قبالته من النفع. فكيف يقال: ملكه باق عليه، و يجب رده إليه؟!
وهذا بخلاف أمره بالصدقة به؛ فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضا صاحبه، وبذله له بذلك وصاحبه قد رضي بإخراجه عن ملكه بذلك، وألا يعود إليه، فكان أحق الوجوه: صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه، و يخفف عنه الإثم )) [1] .
وقال أيضًا: (( ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بخبث كسب الحجام [2] ، ولا يجب رده على دافعه ) ) [3] .
وقد رجح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال: (( فهو كما لو تراضيا بمهر البغي، وهناك يتصدق به على أصح القولين لا يعطى للزاني. وكذلك في الخمر ونحو ذلك مما أخذ صاحبه منفعة محرمة فلا يجمع له العوض والمعوض ) ) [4] .
(1) المرجع السابق.
(2) وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (( شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام ) )، وهو عند مسلم (1568) وغيره من طريق السائب بن يزيد عن رافع بن خديج.
(3) زاد المعاد 5/ 779. ذكر كلامًا طويلًا و نقاشًا في تقرير المسألة بعضه عن شيخ الإسلام.
(4) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 29/ 291 - 292.