فهرس الكتاب
ثم بيَّن أن هذا لا يعنى أنه يجوز أن يتزوج الولد المرأة المتبرعة بالرحم، أو المتبرعة بالمبيض، معللًا ذلك بأن حرمة الزواج تثبت بأدنى سبب، كما ثبتت بالرضاع، وقد رأى بعض الفقهاء أن المصة الواحدة في الرضاع تثبت تحريم الزواج، فهذا أولى، فحرمة الزواج لها شأن خاص، فليست كغيرها من الأحكام؛ وذلك لأنها من باب المنع، والنكاح يمتنع بالشبهة.
وقال- بعد أن ذكر ما قلناه-:"وإذا ثبت أن العضو المزروع- مهما كان نوعه- يكون جزءًا من جسد المتلقى حقيقة، وأن صلته تنقطع انقطاعًا تاما بمصدره، فإن الغدَّة- بعد غرسها في جسد المتلقى- تكون جزءًا من أجزائه، وما يتولد فيها من الحيوانات المنوية أو البييضات فهو شئ ناشئ من ذات جسد المتلقى حقيقة طبيعية وحقيقة شرعية، وينسب المولود إليه نسبة صحيحة شرعية."
ثم قال:"وبناء على ذلك لا يصح ما قد يقال من أن ما ينشأ من الحمل عن ذلك هو من قبيل الحمل الناشئ من نكاح الاستبضاع، أو استخدام بذرة شخص ثالث غير الزوجين، ولا ما قد يقال من أن المتلقى يطأ زوجته بذكر غيره، أو يطأ الرجل من زوجته المتلقية فرج امرأة أخرى، أو أن الرحم المنقول هو من قبيل الرحم المؤجر؛ بل هو رحم المتلقية نفسها، فلا مجال للقول بشئ من ذلك كله".
الرد على هذا:
الرد على هذا من ناحيتين:
الناحية الأولى: أن الإجماع قام على عدم جواز أن ينظر الرجل بشهوة إلى عضو منفصل من أعضاء امرأة لا يحل له أن يستمتع بها، سواء كان انفصال العضو أثناء حياة المرأة أم بعد موتها [1] ، وفى هذا المجال نجد أبا حامد الغزالى- وهو يتكلم عن حكم وصل الشعر ويمكن اعتبار ما يسمى بالباروكة منه- يبيَّن أن المرأة إذا وصلت شعرها بشعر امرأة أجنبية عن زوجها فإن هذا لا يجوز، وعلل ذلك بقوله: لأن زوجها ينظر إليه [2] .
ومن الواضح أن هذا الحكم الذى أجمع عليه العلماء، وهو عدم جواز أن ينظر الرجل بشهوة إلى عضو منفصل من أعضاء امرأة لا يحل له أن يستمتع بها يكون هو نفسه لنظر امرأة لعضو الذكورة المنفصل من رجل لا يحل لها أن تستمتع به فلا فارق بين الصورتين.
ومن الأمور الثابتة عند الفقهاء: أن اللمس أبلغ من النظر، فإذا حرم النظر حرم اللمس بالأولى، وعلى هذا فإذا تم زرع عضو الذكورة في زوج هذه المرأة فإن لمس المرأة لهذا العضو- الذى لا يحل لها أن تنظر إليه- سيتحقق عند حصول الجماع بينها وبين زوجها، وهو حرام [3] .
(1) الموسوعة الفقهية الكويتية جـ 40، صـ 352.
(2) الوسيط في المذهب لأبى حامد محمد بن محمد الغزالى جـ 2، صـ 646 تحقيق د. على محى الدين على القرة داغى الطبعة الأولى 1404 هـ- 1984 م.
(3) إتمامًا للفائدة نقول: بعد اتفاق العلماء على عدم جواز أن ينظر الرجل إلى عضو منفصل من أعضاء المرأة التى لا يحل له الاستمتاع بها بشهوة، سواء كان انفصاله أثناء الحياة أو بعد الموت، اختلفوا في حكم نظر الرجل إلى العضو المنفصل من المرأة بغير شهوة إذا كان مما لا يباح له النظر إليه قبل انفصاله على ثلاثة آراء:
أحدها: عدم جواز أن ينظر الرجل إلى العضو المنفصل من المرأة إذا كان مما لا يحل النظر إليه قبل انفصاله، ولا فرق في الحكم عند أصحاب هذا الرأى بين ما إذا كان انفصال العضو في حال حياة المرأة أم بعد الموت، والقاعدة عند أصحاب هذا الرأى هى أن كل عضو لا يجوز النظر إليه قبل الانفصال لا يجوز بعده، فلا يجوز للرجل أن ينظر من المرأة الأجنبية يدًا ولا ذراعًا ولا شعر رأسها ولا ساقها ولو انفصل ذلك منها حال الحياة أو بعد الوفاة، وقاسوا العضو المنفصل على المتصل في الحكم، فلما كان الحكم في النظر إلى المتصل هو الحرمة كان الحكم أيضًا هو الحرمة في النظر إلى المنفصل؛ وذلك لأن حرمة الآدمى وأجزائه لا تفارقه بعد الموت .. وهذا ما يراه فقهاء الحنفية، وعبَّر عنه في الفتاوى الهندية وفى مجمع الأنهر بالأصح، وهو أيضا ما يراه فقهاء الشافعية في أصح الرأيين عندهم.
الرأى الثانى: أنه يجوز للرجل أن ينظر إلى العضو المنفصل من المرأة بغير شهوة إذا انفصل عنها أثناء حياتها؛ وعلل أصحاب هذا الرأى هذا الحكم بأن العضو المنفصل صار عضوًا أجنبيًا عن جسم المرأة؛ وهذا إذا كان النظر إلى العضو المنفصل من المرأة في حياتها، وأما النظر إلى العضو المنفصل من المرأة بعد موتها فلا يجوز .. وهذا ما يراه فقهاء المالكية، وقالوا بعدم جواز النظر إلى أجزاء المرأة الأجنبية بعد وفاتها سواء أكانت متصلة أم منفصلة.
الرأى الثالث: أنه يجوز للرجل أن ينظر بغير شهوة إلى عضو منفصل من المرأة لزوال حرمته بالانفصال .. وهو ما يراه بعض فقهاء الشافعية في مقابل رأى آخر هو الأصح عندهم، والحنابلة .. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية جـ 40، صـ 352، 353، وذكرت المصادر: الدر المختار لمحمد علاء الدين الحصكفى، شرح تنوير الأبصار للغزى مطبوع بهامش رد المحتار"حاشية ابن عابدين"جـ 9، صـ 534، والفتاوى الهندية جـ 5، صـ 329، ومجمع الأنهر لعبد الله بن محمد بن سليمان، المعروف بدامادا أفندى، في شرح ملتقى الأبحر لإبراهيم الحلبى جـ 2، صـ 359، ومغنى المحتاج لمحمد الشربينى الخطيب جـ 3، صـ 130، ونهاية المحتاج للرملى، وحاشية الشبراملسى جـ 6، صـ 200، وروضة الطالبين للنووى جـ 7، صـ 26، وبلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك لأحمد بن محمد الصاوى، على الشرح الصغير لأحمد بن أحمد الدردير جـ 1، ص 194، ومطالب أولى النهى جـ 5، صـ 19.