فهرس الكتاب
وقد دلت نصوص الشرع في الأحاديث الشريفة على اجتناب الشبهات وأن يستبرئ الإنسان منها؛ لأن في ذلك احتياطًا في أمور الدين، قال - صلى الله عليه وسلم: (الحلال بيَّن، والحرام بيَّن، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه) [1] ، وقسم العلماء اجتناب الشبهات على مراتب منها ما يجب اجتنابه؛ لأن ارتكابه يستلزم ارتكاب الحرام، وهو كل الأمور التى أصلها التحريم، ومثال هذا ما روته كتب السنة عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبى إهاب، فجاءت امرأة فقالت: قد أرضعتكما، فسأل النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: (كيف وقد قيل؟) ففارقها عقبة فتزوجت زوجًا غيره [2] ، وفى رواية أخرى رواها البخارى عن عقبة بن الحارث - رضي الله عنه - أنه تزوج ابنة لأبى إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت: إنى قد أرضعت عقبة والتى قد تزوج بها، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتينى ولا أخبرتينى، فركب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فسأله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (كيف وقد قيل؟) ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره [3] ؛ فهذا يدل على أن الأمر إذا كان فيه شبهة وكان أصله التحريم وجب اجتنابه، وذلك يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم: (كيف وقد قيل؟) فإن هذا مشعر بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر الرجل بفراق امرأته إنما كان لكون المرأة قالت إنها أرضعتهما، فاحتمل أن يكون كلامها صحيحًا فيكون الرجل مرتكبًا للحرام فأمره الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفراقها احتياطًّا [4] .
ولهذا المعنى وجدنا فقهاءنا القدامى يبينون أنه لو اشتبهت أخت رجل بعدد محصور من الأجنبيات كنساء قرية صغيرة مثلًا منع من التزوج بكل واحدة منهن حتى يعلم أخته من غيرها، ولو اختلطت زوجته بغيرها فلا يجوز له الجماع، ولا بالاجتهاد، سواء كن محصورات أم لا [5] .
قال النووى: قال أصحابنا إذا اختلطت زوجته بنساء واشتبهت لم يجز له وطء واحدة منهن بالاجتهاد بلا خلاف سواء كن محصورات أو غير محصورات؛ لأن الأصل التحريم، والأبضاع يحتاط لها والاجتهاد خلاف الاحتياط، ولو اشتبهت أخته من الرضاع أو النسب أو غيرها من محارمه بنسوة فإن كن محصورات كنسوة بلد كبير فله أن ينكح واحدة منهن بلا خلاف ولا يفتقر إلى اجتهاد، وإن كن محصورات كقرية صغيرة فوجهان:"الصحيح لا يجوز نكاح واحدة منهن ولو اجتهد" [6] .
وفى مسألتنا هنا قد حصلت الشبهة في حل أو تحريم زرع عضو الذكورة، وهذا في مراتب اجتناب الشبهات من مرتبة ما يجب اجتنابه من الشبهات؛ لأن ارتكابه يستلزم ارتكاب الحرام؛ وذلك لأنه لو كان
(1) فتح البارى جـ 1، صـ 126 المطبعة السلفية.
(2) سبل السلام للصنعانى جـ 3، صـ 218.
(3) رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين للإمام النووى صـ 205.
(4) الموسوعة الفقهية الكويتية جـ 25، صـ 342.
(5) القواعد في الفقه الإسلامى لأبى الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلى، المتوفى سنة 795 هـ، صـ 235 المكتبة العصرية، والأشباه والنظائر للسيوطى صـ 106.
(6) المجموع للنووى جـ 1، صـ 203، 204.