أما الرأى الأول للجمهور: فهو يعتمد على المبدأ الشرعى المعروف، وهو أن الإنسان لا يملك التصرف بأجزاء أو أعضاء جسده- لا تبرعًا ولا معاوضة-؛ لأن الإنسان مملوك لله- تعالى- خالقه، لا لأحد سواه، لقوله- تعالى-: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [1] ، وقوله- سبحانه- {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [2] ؛ وذلك دليل واضح على أنه لا يجوز اقتطاع عضو أو جزء من عضو لغرسه في جسد إنسان آخر للعلاج أو غيره.
وأما الرأى الثانى للمعاصرين: فهو يجيز النقل والزرع للضرورة أو الحاجة أو المصلحة المتعينة، ومشروعية الضرورة مقررة في خمس آيات من القرآن الكريم، منها: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [3] ، وبناء عليه قرر الفقهاء القاعدة المشهورة، وهى:"الضرورات تبيح المحظورات" [4] ، وقاعدة:"الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة- عامة كانت أو خاصة-" [5] ، والمراد بكونها عامة: أن يكون الاحتياج شاملًا جميع الأمة، والمراد بكونها خاصة: أن يكون الاحتياج لطائفة منهم كأهل بلد أو حرفة [6] .
ويؤيد هذا الاتجاه قول الشافعية في الأصح: إنه يجوز قطع المضطر عضوًا من غيره لإنقاذ نفسه من الهلاك [7] .
أدلة الفريقين:
استدل المانعون بما يأتى:
1.يحرم تشويه جسد الإنسان وتقطيع أعضائه، حفاظًا على حياته، ودرءًا من احتمال تعرضه للهلاك، وذلك محظور لقوله- تعالى-: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [8] .
2.احتمال وقوع المتبرع في الضرر كثيرًا أو غالبًا، والنبى - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا ضرر ولا ضرار) [9] ، والقاعدة الشرعية هى:"درء المفاسد أولى من جلب المنافع" [10] .
3.نقل العضو وزراعته في جسد إنسان آخر يشتمل على إيذاء المتبرع، والله- تعالى- يقول:
(1) سورة الزمر، الآية: 62.
(2) سورة التين، الآية: 4.
(3) سورة البقرة، الآية: 173.
(4) م 21 مجلة الأحكام.
(5) م 32 مجلة الأحكام.
(6) المدخل الفقهى العام للعلامة الشيخ: مصطفى الزرقاء/ ف 603.
(7) المجموع للنووى 9/ 45.
(8) سورة البقرة، الآية: 195.
(9) رواه مالك، وأحمد، وابن ماجه.
(10) م 30 مجلة الأحكام.