فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 410

وللنوعية قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ) [البقرة: الآية 96] ، أي نوع من الحياة مخصوص، وهو الحياة الزائدة كأنه قيل: ولتجدنّهم أحرص الناس وإن عاشوا ما عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في الماضي والحاضر حياة في المستقبل، فإن الإنسان لا يوصف بالحرص على شيء إلا إذا لم يكن ذلك الشيء موجودا له حال وصفه بالحرص عليه، وقوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ) [النّور: الآية 45] يحتمل الإفراد والنوعية أي خلق كل فرد من أفراد الدواب من نطفة معينة، أو كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع المياه.

أو للتعظيم والتهويل أو للتحقير، أي ارتفاع شأنه أو انحطاطه إلى حدّ لا يمكن معه أن يعرف، كقول ابن أبي السّمط:

له حاجب عن كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب (1)

أي له حاجب أيّ حاجب، وليس له حاجب ما.

أو للتكثير، كقولهم: إن له لإبلا، وإن له لغنما، يريدون الكثرة.

وحمل الزمخشري التنكير في قوله تعالى: (قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا) [الشّعراء: الآية 41] عليه.

أو للتقليل، كقوله تعالى: (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ) [التّوبة: الآية 72] أي شيء من رضوانه أكبر من ذلك كله؛ لأن رضاه سبب كلّ سعادة وفلاح، من النعم، وإنما تهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطه تنغّصت عليه، ولم يجد لها لذة وإن عظمت.

وقد جاء التعظيم والتكثير جميعا، كقوله تعالى: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) [فاطر: الآية 4] أي رسل ذوو عدد كثير، وآيات عظام، وأعمار طويلة، ونحو ذلك.

والسكاكيّ لم يفرق بين التعظيم والتكثير، ولا بين التحقير والتقليل؛ ثم جعل التنكير في قولهم: «شرّ أهرّ ذا ناب» للتعظيم، وفي قوله تعالى: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ) [الأنبياء: الآية 46] لخلافه، وفي كليهما نظر، أما الأول فلما سيأتي، وأما الثاني فلأن خلاف التعظيم مستفاد من البناء للمرة ومن نفس الكلمة، لأنها إما من قولهم: نفحت الريح، إذا هبّت، أي هبة، أو من قولهم: نفح الطّيب، إذا فاح، أي

(1) البيت من الطويل، وهو لأبي الطمحان القيني في ديوان المعاني 1/ 127، ولابن أبي السمط في معاهد التنصيص 1/ 127، ولمروان بن أبي حفصة في شرح شواهد المغني ص 909، وبلا نسبة في أمالي القالي 1/ 238، ومغني اللبيب ص 577.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت