فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 410

فوحة، كما يقال: شمة، واستعماله بهذا المعنى في الشر استعارة؛ إذ أصله أن يستعمل في الخير، يقال: له نفحة طيبة، أي هبّة من الخير.

وذهب أيضا إلى أن قوله تعالى: (يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ) [مريم: الآية 45] بالتنكير ـ دون «عذاب الرحمن» بالإضافة ـ إما للتهويل، أو لخلافه، والظاهر أنه لخلافه، وإليه ميل الزمخشري؛ فإنه ذكر أن إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه، حيث لم يصرح فيه أن العذاب لا حق له لاصق به، ولكنه قال: (إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ) [مريم: الآية 45] فذكر الخوف، والمس، ونكّر العذاب.

وأما التنكير في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [البقرة: الآية 179] فيحتمل النوعية والتعظيم، أي لكم في هذا الجنس من الحكم ـ الذي هو القصاص ـ حياة عظيمة؛ لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا، أو نوع من الحياة، وهو الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل للعلم بالاقتصاص، فإن الإنسان إذا همّ بالقتل تذكّر الاقتصاص فارتدع، فسلم صاحبه من القتل وهو من القود، فتسبب لحياة نفسين.

ومن تنكير غير المسند إليه للنوعية (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا) [النّمل: الآية 58] أي وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا، يعني الحجارة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) [النّمل: الآية 58] ؟ وللتحقير (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) [الجاثية: الآية 32] .

وأما وصفه فلكون الوصف تفسيرا له كاشفا عن معناه، كقولك: الجسم الطويل العريض العميق محتاج إلى فراغ يشغله، ونحوه في الكشف قول أوس: [بن حجر]

الألمعيّ الذي يظنّ بك الظنّ ... كأن قد رأى وقد سمعا (1)

حكي أن الأصمعي سئل عن الألمعي، فأنشده، ولم يزد، وكذا قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) (21) [المعارج: الآيات 19 ـ 21] قال الزمخشري: الهلع، سرعة الجزع عند مسّ المكروه، وسرعة المنع عند مسّ الخير، ومن قولهم: ناقة هلوع، سريعة السير، وعن أحمد بن يحيى: قال لي محمد بن

(1) البيت من المنسرح، وهو لأوس بن حجر في ديوانه ص 53، ولسان العرب (حظرب) ، (لمع) ، وتهذيب اللغة 2/ 424، وديوان الأدب 1/ 273، وكتاب الجيم 3/ 214، والكامل ص 1400، وذيل أمالي القالي ص 34، ومعاهد التنصيص 1/ 128، ولأوس أو لبشر بن أبي خازم في تاج العروس (لمع) ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 5/ 212.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت