فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 410

إذ المعنى أن هذا السقم الموجود والضّرم الثابت؛ ما أنا جالب لهما، فالقصد إلى نفي كونه فاعلا لهما لا إلى نفيهما، ولهذا لا يقال: «ما أنا قلت، ولا أحد غيري» لمناقضة منطوق الثاني مفهوم الأول، بل يقال: «ما قلت أنا ولا أحد غيري» ولا يقال: «ما أنا رأيت أحدا من الناس» ولا «ما أنا ضربت إلا زيدا» بل يقال: «ما رأيت» أو «ما رأيت أنا أحدا من الناس» و «ما ضربت» أو «ما ضربت أنا إلا زيدا» لأن المنفي في الأول الرؤية الواقعة على كلّ واحد من الناس، وفي الثاني الضرب الواقع على كل واحد منهم سوى زيد، وقد سبق أن ما يفيد التقديم ثبوته لغير المذكور، هو ما نفي عن المذكور، فيكون الأول مقتضيا لأن إنسانا غير المتكلم قد رأى كلّ الناس، والثاني مقتضيا لأن إنسانا غير المتكلم قد ضرب من عدا زيدا منهم، وكلاهما محال.

وعلّل الشيخ عبد القاهر والسكاكيّ امتناع الثاني بأن نقض النفي بـ «إلّا» يقتضي أن يكون القائل له قد ضرب زيدا، وإيلاء الضمير حرف النفي يقتضي أن لا يكون ضربه، وذلك تناقض.

وفيه نظر لأنا لا نسلّم إيلاء الضمير حرف النفي يقتضي ذلك.

فإن قيل: الاستثناء الذي فيه مفرغ، وذلك يقتضي أن لا يكون ضرب أحدا من الناس، وذلك يستلزم أن لا يكون ضرب زيدا.

قلنا: إن لزم ذلك فليس للتقديم؛ لجريانه في غير صورة التقديم أيضا، كقولنا: ما ضربت إلا زيدا.

هذا إذا ولي المسند إليه حرف النفي، وإلا فإن كان معرفة كقولك: «أنا فعلت» كان القاصد إلى الفاعل، وينقسم قسمين:

أحدهما: ما يفيد تخصيصه بالمسند؛ للرد على من زعم انفراد غيره به، أو مشاركته فيه، كقولك: أنا كتبت في معنى فلان، وأنا سعيت في حاجته، ولذلك إذا أردت التأكيد قلت للزاعم في الوجه الأول: أنا كتبت في معنى فلان لا غيري، ونحو ذلك، وفي الوجه الثاني: أنا كتبت في معنى فلان وحدي، ونحو ذلك.

فإن قلت: «أنا فعلت كذا وحدي» في قوة «أنا فعلته لا غيري» فلم اختص كل منهما بوجه من التأكيد دون وجه؟

قلت: لأن جدوى التأكيد لما كانت إماطة شبهة خالجت قلب السامع، وكانت في الأول أن الفعل صدر من غيرك، وفي الثاني أنه صدر منك؛ بشركة الغير؛ أكّدت وأمطت الشبهة في الأول بقولك: «غيري» وفي الثاني بقولك: «وحدي» لأنه محزّه، ولو عكست

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت