فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 410

أحلت، ومن البيّن في ذلك المثل: «أتعلمني بضبّ أنا حرشته؟» وعليه قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) [التّوبة: الآية 101] أي لا يعلمهم إلا نحن، ولا يطلع على أسرارهم غيرنا؛ لإبطانهم الكفر في سويداوات قلوبهم.

الثاني: ما لا يفيد إلا تقوّي الحكم وتقرّره في ذهن السامع وتمكّنه، كقولك: «وهو يعطي الجزيل» لا تريد أن غيره لا يعطي الجزيل، ولا أن تعرّض بإنسان، ولكن تريد أن تقرر في ذهن السامع وتحقّق أنه يفعل إعطاء الجزيل.

وسبب تقوّيه هو أن المبتدأ يستدعي أن يستند إليه شيء، فإذا جاء بعده ما يصلح أن يستند إليه صرفه إلى نفسه، فينعقد بينهما حكم، سواء كان خليا عن ضميره نحو «زيد غلامك» أو متضمنا نحو «أنا عرفت، وأنت عرفت، وهو عرف أو زيد عرف» ثم إذا كان متضمنا لضميره صرفه ذلك الضمير إليه ثانيا؛ فيكتسي الحكم قوة.

ومما يدل على أن التقديم يفيد التأكيد أن هذا الضرب من الكلام يجيء. فيما سبق فيه إنكار من منكر، نحو أن يقول الرجل: «ليس لي علم بالذي تقول» فتقول: «أنت تعلم أن الأمر على ما أقول» وعليه قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: الآية 75] لأن الكاذب ـ لا سيما في الدين ـ لا يعترف بأنه كاذب، فيمتنع أن يعترف بالعلم بأنه كاذب.

وفيما اعترض فيه شك، نحو أن تقول للرجل: «كأنك لا تعلم ما صنع فلان» فيقول: «أنا أعلم» .

وفي تكذيب مدّع، كقوله تعالى: (وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) [المائدة: الآية 61] فإن قولهم: «آمنا» دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به.

وفيما يقتضي الدليل أن لا يكون، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (20) [النّحل: الآية 20] فإن مقتضى الدليل أن لا يكون ما يتّخذ إلها مخلوقا.

وفيما يستغرب، كقولك: «ألا تعجب من فلان؟ يدّعي العظيم وهو يعيا باليسير» .

وفي الوعد والضّمان، كقولك للرجل: «أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر» لأن من شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه الشك في إنجاز الوعد والوفاء بالضمان؛ فهو من أحوج شيء إلى التأكيد.

وفي المدح والافتخار؛ لأن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت