فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 410

الحكم، وعليه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ) (59) [المؤمنون: الآية 59] فإنه يفيد من التأكيد في نفي الإشراك عنهم ما لا يفيده قولنا: والذين لا يشركون بربهم، ولا قولنا: والذين بربهم لا يشركون، وكذا قوله تعالى: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [يس: الآية 8] ، وقوله تعالى: (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) (66) [القصص: الآية 66] ، وقوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (55) [الأنفال: الآية 55] .

هذا كله إذا بني على معرف، فإن بني على منكر أفاد ذلك تخصيص الجنس أو الواحد بالفعل، كقولك: «رجل جاءني» أي لا امرأة، أو لا رجلان.

وذلك لأن أصل النكرة أن تكون للواحد من الجنس، فيقع القصد بها تارة إلى الجنس فقط، كما إذا كان المخاطب بهذا الكلام قد عرف أن قد أتاك آت، ولم يدر جنسه: أرجل هو أو امرأة؟ أو اعتقد أنه امرأة، وتارة إلى الوحدة فقط، كما إذا عرف أن قد أتاك من هو من جنس الرجال، ولم يدر؛ أرجل هو أم رجلان، أو اعتقد أنه رجلان. واشترط السكاكي في إفادة التقديم الاختصاص أمرين:

أحدهما: أن يجوز تقدير كونه في الأصل مؤخرا، بأن يكون فاعلا في المعنى فقط، كقولك: «أنا قمت» فإنه يجوز أن تقدر أصله «قمت أنا» على أن «أنا» تأكيد للفعل الذي هو التاء في «قمت» فقدّم «أنا» وجعل مبتدأ.

وثانيهما: أن يقدّر كونه كذلك.

فإن انتفى الثاني دون الأول كالمثال المذكور إذا أجري على الظاهر ـ وهو أن يقدّر الكلام من الأصل مبنيا على المبتدأ والخبر، ولم يقدّر تقديم وتأخير ـ أو انتفى الأول، بأن يكون المبتدأ اسما ظاهرا؛ فإنه لا يفيد إلا تقوّي الحكم.

واستثنى المنكّر، كما في نحو «رجل جاءني» بأن قدّر أصله «جاءني رجل» لا على أن «رجل» فاعل «جاءني» بل على أنه بدل الفاعل الذي هو الضمير المستتر في «جاءني» ، كما قيل في قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء: الآية 3] : إن (الَّذِينَ ظَلَمُوا) بدل من الواو في (أَسَرُّوا) وفرق بينه وبين المعروف بأنه لو لم يقدر ذلك فيه انتفى تخصيصه؛ إذ لا سبب لتخصيصه «سواه» ولو انتفى تخصيصه لم يقع مبتدأ، بخلاف المعرّف؛ لوجود شرط الابتداء فيه، وهو التعريف.

ثم قال: وشرطه أن لا يمنع من التخصيص مانع، كقولنا: «رجل جاءني» أي لا امرأة، أو لا رجلان، دون قولهم: «شر أهر ذا ناب» أما على التقدير الأول فلامتناع أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت