الصفحة 1046 من 2268

فقوبل ب «لا» ليعم (1) ما هو جواب له، أي زعموا ذلك في وقت ما قيل لهم: تمنوا الموت، وأما (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) (البقرة: 95) فجاء بعد قوله: (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً) (البقرة: 94) أي إن كانت لكم الدار الآخرة فتمنوا الموت الآن (2) ، استعجالا للسكون في دار الكرامة التي أعدّها الله لأوليائه وأحبائه. وعلى وفق هذا القول جاء قوله: (لَنْ تَرانِي) (الأعراف: 143) .

(قلت) : والحق أن «لا» و «لن» لمجرد النفي عن الأفعال المستقبلة، والتأبيد وعدمه يؤخذان من دليل خارج، ومن احتجّ على التأبيد بقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) (البقرة: 24) وبقوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا) (الحج: 73) عورض بقوله: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) (مريم: 26) ولو كانت للتأبيد لم يقيّد منفيّها باليوم، وبقوله: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) (البقرة: 95) ولو كانت للتأبيد لكان ذكر الأبد تكريرا والأصل عدمه، وبقوله: (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) (طه: 91) لا يقال: هي مقيدة فلم تفد التأبيد، والكلام عند الإطلاق، لأن الخصم يدعي أنها موضوعة لذلك، فلم تستعمل في غيره. وقد استعملت «لا» للاستغراق الأبديّ في قوله تعالى: (لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) (فاطر: 36) وقوله: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) (البقرة: 255) (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) (البقرة: 255) وقوله: (وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ [فِي سَمِّ الْخِياطِ] ) (3) (الأعراف: 40) وغيره مما هو للتأبيد، وقد استعملت فيه «لا» دون «لن» ؛ فهذا يدلّ على أنها لمجرد النفي، والتأبيد يستفاد من دليل آخر. (4)

(1) في المخطوطة (ليعلم) .

(2) في المخطوطة (لأن) .

(3) ليست في المخطوطة.

(4) وانظر الكلام على «لن» في «مغني اللبيب» 1/ 284 حرف اللام لف. فقد استقى منه الزركشي، كما سيذكر الزركشي «لن» في النوع السابع والأربعين 4/ 387.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت