الصفحة 168 من 2268

ضربا من المحاسن يسمى التعطّف؛ ولو كان الكلام: لا تبصره الأبصار، وهو يبصر الأبصار لم تكن لفظتا (اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) مناسبتين لما (1) قبلهما.

ومنه قوله تعالى: (2) [ (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ* لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ، إلى قوله: (لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (الحج: 63 ـ 65) ، إنما فصل الأولى ب (لَطِيفٌ خَبِيرٌ) لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث، وإخراج النبات من الأرض، ولأنه خبير بنفعهم وإنما فصل الثانية ب «غني حميد» لأنّه قال: (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ، أي لا لحاجة؛ بل هو غنيّ عنهما، جواد بهما؛ لأنه ليس غنيّ نافعا غناه إلا إذا جاد به، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه، واستحقّ عليه الحمد؛ فذكر (الْحَمِيدُ) على أنه الغنيّ النافع بغناه خلقه. وإنما فصل الثالثة ب (لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) لأنه لما عدّد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم، وإجراء الفلك في البحر لهم، وتسييرهم في ذلك الهول العظيم، وجعله السماء فوقهم وإمساكه إياها عن الوقوع، حسن ختامه بالرأفة والرحمة. ونظير هذه الثلاث فواصل مع اختلافها قوله تعالى في سورة الأنعام: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ... ) [97] الآيات.

وقوله تعالى] (2) : (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الحج: 64) ، فقال: (الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) لينبّه على أن ما له ليس لحاجة بل هو غنيّ عنه، جواد به، وإذا جاد به حمده المنعم عليه. إذ (حميد) كثير المحامد الموجبة تنزيهه عن الحاجة والبخل وسائر النقائص، فيكون «غنيّا» مفسّرا بالغنى المطلق، لا يحتاج فيه لتقدير «غنيّ عنه» .

ومنه قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ) (القصص: 71) . لما كان سبحانه هو الجاعل الأشياء (3) على الحقيقة (3) ؛ وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة صار الليل كأنه سرمد

(1) في المخطوطة: (إلى ما) .

(2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة، وهو من المطبوعة.

(3) العبارة في المخطوطة: (للأشياء الحقيقية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت