الصفحة 177 من 2268

هاهنا معنى دقيق من أجله قال: (حَكِيمٌ) ؛ وهو أن ينبّه على فائدة مشروعية اللعان، وهي الستر عن هذه الفاحشة العظيمة؛ وذلك من عظيم (1) الحكم، فلهذا كان (حَكِيمٌ) ، بليغا في هذا المقام دون «رحيم» (2) .

ومن خفيّ هذا الضرب قوله تعالى في سورة البقرة: (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الآية: 29) .

وقوله في آل عمران: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما) [14 / أ] (فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الآية: 29) ، فإن المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة، وفي آية آل عمران الختم بالعلم، لكن إذا أنعم النظر علم أنّه يجب أن يكون ما عليه التلاوة في الآيتين، وكذلك قوله تعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) (الأنعام: 147) ؛ مع أن ظاهر الخطاب «ذو عقوبة شديدة» ، وإنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله تعالى في الاجتراء (3) على معصيته؛ وذلك أبلغ في التهديد؛ ومعناه: لا تغترّوا بسعة رحمة الله تعالى في الاجتراء (3) على معصيته، فإنه مع ذلك لا يردّ عذابه عنكم.

وقريب منه: (رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا) (النّبأ: 37) .

وأما قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 49) ؛ فمناسبة (4) الجزاء للشرط أنه لما أقدم المؤمنون وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، على قتال المشركين، وهم زهاء ألف، متوكّلين على الله تعالى؛ وقال المنافقون: (غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) (الأنفال: 49) حتى أقدموا على ثلاثة أمثالهم عددا أو أكثر؛ قال الله تعالى ردا على المنافقين وتثبيتا للمؤمنين: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 49) في جميع أفعاله.

وأما قوله [تعالى] : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ

(1) في المخطوطة: (أعظم) .

(2) العبارة في المخطوطة: (فلهذا كان حكيما بليغا في المقام رحيم) .

(3) في المخطوطة: (الاحتراز) .

(4) في المخطوطة: (فناسبه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت