الصفحة 31 من 2268

العربية، حتى أنك لتجد كل مبحث منها خليقا أن يسلك في عداد مسائل علم من تلك العلوم.

فنسبته إليها كنسبة الفرع إلى أصوله، أو الدليل إلى مدلوله. وما أشبهه بباقة منسّقة من الورود والياسمين، إزاء بستان حافل بألوان الزهور والرياحين.

تاريخ «علوم القرآن» ، نشأته وتطوره

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه، ما عرف العلماء وفوق ما عرف العلماء من بعد، ولكن معارفهم لم توضع على ذلك العهد كفنون مدوّنة، ولم تجمع في كتب مؤلفة، لأنهم لم تكن لهم حاجة إلى التدوين والتأليف.

أما الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فلأنه كان يتلقّى الوحي عن الله وحده. والله تعالى كتب على نفسه الرحمة، ليجمعنّه له في صدره، وليطلقنّ لسانه بقراءته وترتيله، وليميطنّ له اللثام عن معانيه وأسراره. اقرأ إن شئت قوله سبحانه: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (القيامة: 16 ـ 19) .

ثم بلّغ الرسول ما أنزل عليه لأصحابه، وقرأه على الناس على مكث أي على مهل وتؤدة، ليحسنوا أخذه، ويحفظوا لفظه، ويفهموا سرّه. ثم شرح الرسول لهم القرآن بقوله، وبعمله، وبتقريره، وبخلقه، أي بسنته الجامعة لأقواله وأفعاله، وتقريراته، وصفاته، مصداقا لقوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 44) . ولكن الصحابة وقتئذ كانوا عربا خلّصا، متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة من قوّة في الحافظة، وذكاء في القريحة، وتذوّق للبيان؛ وتقدير للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير، حتى أدركوا من علوم القرآن ومن إعجازه بسليقتهم وصفاء فطرتهم، ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع زحمة العلوم، وكثرة الفنون.

وكان الصحابة رضوان الله عليهم مع هذه الخصائص أميين، وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم، والرسول نهاهم أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن وقال لهم أول العهد بنزول القرآن فيما رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت