فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 506

من النور، يأخذ بمجامع القلوب حتى يخيّل لكلّ من في المجلس أنّ المحل قد طاربهم، وهذا المجلس لم يتقدّم لأحد بناء مثله، لا في الإسلام ولا في غيره، وإنما تهيأ للناصر لكثرة الزئبق في ملكه.

وأجرى الناصر إلى الزهراء المياه، وأحدق بها البساتين، وبنى فيها مسجدا من أبدع المساجد، وقيل: إنّ العمل في الزهراء استمرّ أربعين سنة من ملك الناصر، وقيل: إنّه كان بقصر الزهراء من الوصفاء ثلاثة عشر ألفا، وكان الجاري لهم من اللحم فقط كلّ يوم عدا الطير والحوت ثلاثة عشر ألف رطل، وكان في القصر من الجواري والخوادم أكثر من ستة آلاف امرأة، وقيل: إنّ المرتب من الخبز لحيتان الزهراء السابحة في بركها العظيمة اثنا عشر ألف خبزة كل يوم.

قالوا: وكان يرد من الجير والجص في كلّ ثالث من الأيام إلى الزهراء ألف ومئة حمل، وقدّر بعض أهل الخدمة في الزهراء أنّه كان ينفق فيها كلّ عام ثلاثمئة ألف دينار، وأنّ ذلك استمرّ خمسا وعشرين سنة، إلى نهاية ملك عبد الرحمن الناصر.

وذكروا أنّ الحوض المنقوش المذهّب الذي جلبه الفيلسوف أحمد مع ربيع الأسقف من القسطنطينية لم يكن وحده، بل جلبوا إليه أيضا حوضا آخر، يقال له: الحوض الصغير، أخضر منقوشا بتماثيل الإنسان، وأنّ الناصر نصبه في بيت المنام بالمجلس الشرقي، وجعل عليه اثني عشر تمثالا من الذهب الأحمر، مرصعة بالدّرّ النفيس الغالي، مما عمل بدار الصناعة بقرطبة: صورة أسد، إلى جانبه غزال، إلى جانبه تمساح، وفيما يقابله ثعبان وفيل، وفي المجنبتين حمامة وشاهين وطاووس، ودجاجة وديك وحدأة ونسر، وكل ذلك من ذهب مرصّع بالجوهر النفيس، ويخرج الماء من أفوهها.

قالوا: وفي يوم الخميس لسبع بقين من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمئة كمّل الناصر بناء القناة الغريبة الصنعة، التي أجراها بالماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت