فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 381

ونحو ذلك، فتعجبوا غاية العجب، وقلت لهم أيضا، إن بلادنا لا سلطان فيها، وأهلها مستقيمون غاية، وإنما يكون للقبيلة منها رئيس تأوي إليه في بعض أمورها (284) ، والناس مستقيمة على ذلك، وأهل علم كثير فتعجبوا من هاذين الأمرين غاية، وقالوا لي: إنهم يعرفون في الحديث، إن من أحق الناس بالأمان، قوما لا يعرفون دينارا ولا درهما، وما كنا نظن أنه موجود في الدنيا: فقلت لهم نعم، هم أهل بلادنا، يعيش أحدهم العمر الطويل لم يردينارا ولا درهما ولا عرفه إلا إذا كان من أهل العلم، فإنه يقرؤه في العلم، فلما قلت لهم ذلك، كأنهم رأوا الفضل لبلادنا وأهلها على بلادهم وأهلهم بذلك، ومن أغرب الأشياء أنهم جميعا أعاجم، وليس فيهم أحد يعرف لغة الآخر، ولا يعرفون لغتي أنا التي هي الحسانية، ولكنهم كلهم أهل علم، وخبير باللسان العربي، وأنا ما تكلمت لهم إلا به ولم يتكلم منهم بعض لبعض غيري، غفر الله لي، وكلهم غير صاحب الشمال قال لي: إن بلاده فيها الأنعام، ومن الغريب عندي أنا لم يأتينا شخص واحد غيرنا، فالتفتّ إليهم، وقلت لهم: أعلمتم أن الله قادر على أن يجمعنا اليوم لا ريب فيه، فقالوا كلهم: نعم نعم، فقلت الدعاء، فرفعنا أيدينا، فدعوت وأمنوا على دعائي، والتفتّ إليهم فإذا هم جميعا متقاربين في السن، كل واحد منهم في أحسن الفتوة، فقمنا، ولم أر منهم واحدا بعد ذلك المجلس إلى الآن، نرجو الله أن يغفر لنا بالتمام، والسلام، في الرابع والعشرين من شوال عام تسعة عشر بعد ثلاثمائة وألف، عبيد ربه ماء العينين بن شيخه الشيخ محمد فاضل بن مامين، غفر الله لهم وللمسلمين آمين».

وسمعته رضي الله عنه، قال: «إنه حدث بعض أهل الصلاح بهذه الحكاية، وقال له،

(284) ليس المقصود في هذه الإشارة أن الصحراء المغربية لم تكن تابعة للسلطة المغربية، وإنما المقصود منها ضعف السلطة المركزية في هذه الجهة النائية من المملكة المغربية، وارتباطها بسلاطين المغرب عن طريق مجموعة من الشيوخ والرؤساء الذين يمثلون المخزن بها، وقد كانت هذه الظاهرة عامة في كثير من جهات المغرب وغيره قبل الحماية، في الأطلس المتوسط وبلاد الريف وتافلالت، وغيرها، ورغم ذلك فقد كانت تعرف الأمن والاستقرار، وهذا هو المقصود في هذا السياق. وقد كان الشيخ ماء العينين نفسه يمثل ملوك المغرب في الصحراء بظهائر سلطانية معروفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت